كيف يمكن للفكر السياسي المصري أن يستعيد قدرته على تفسير مجتمعه، وصياغة أسئلته، والإسهام في تغيير واقعه؟ سؤال تتقاطع عنده المحاور التي تناولتها الجلسة الثانية لـ«صالون سعد زهران لتجديد الفكر السياسي المصري»، التي عُقدت يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 في مكتبة البلد، بمشاركة واسعة من المثقفين، وخصصت لمناقشة المشروع الفكري الحداثي والموسوعي للمفكر أنور عبد الملك.
وقدّم المداخلات الرئيسية الكاتب الصحفي عبد العظيم حماد، والدكتور نبيل عبد الفتاح، والدكتور عمرو الشوبكي، وأدار الحوار الأستاذ مارك مجدي. وتناولت الجلسة إسهامات عبد الملك في دراسة العلاقة بين الدولة والمجتمع، والنهضة الوطنية، ونقد المركزية الغربية والاستشراق، إلى جانب قضية «تمصير الفكر السياسي»، وما تطرحه من أسئلة حول الصلة بين المعرفة وخصوصية التجربة التاريخية المصرية.
وتأتي الجلسة ضمن مسعى الصالون إلى مواصلة رسالة الكاتب والمترجم والمناضل الراحل سعد زهران في دعم الفكر السياسي المصري وتحديثه بمختلف مشاربه، وإعادة قراءة المساهمات النقدية لرواد التنوير، بما يفتح المجال أمام تطويرها والتفاعل معها.

يمثل اختيار أنور عبد الملك مدخلًا إلى قضايا تتجاوز حدود التعريف بمفكر وأعماله؛ إذ تتصل بالسؤال عن أدوات فهم المجتمع، وموقع الدولة في مشروع النهضة، وحدود الاستفادة من النظريات التي نشأت في سياقات تاريخية مختلفة. ومن هنا تكتسب العودة إلى تجربته أهميتها: باعتبارها فرصة لفحص علاقة المثقف بواقعه، وقدرته على إنتاج معرفة تنطلق من هذا الواقع وتدخل، في الوقت نفسه، في حوار مع الفكر الإنساني.
استعرضت الجلسة المنظور النقدي والمنهجي الذي صاغه عبد الملك لقراءة التاريخ والثقافة المصرية والعربية، بدءًا من تحليله لخصوصية المجتمع المصري، وعلاقة الجيش بالدولة والتجربة الناصرية، وصولًا إلى نقد الاستشراق، واهتمامه بالجدلية الاجتماعية والتحولات الحضارية العالمية.
وفي هذا السياق، حضر كتابه «مصر: مجتمع عسكري» بوصفه أحد المداخل الأساسية لفهم المرحلة المبكرة من مشروعه. وقد صدر الكتاب بالفرنسية عام 1962، وقدم قراءة نقدية للتجربة الناصرية، تناولت بنيتها السياسية والاجتماعية. وتوضح هذه الخلفية أن علاقته بمشروع التحرر الوطني لم تكن علاقة تسليم بكل خيارات السلطة التي ترفعه شعارًا، وإنما انطوت على مساءلة لأشكال الحكم وموازين القوى داخل المجتمع.
وتفتح إعادة قراءة هذا الجانب من أعماله سؤالًا تحليليًا مهمًا: كيف يمكن التمييز بين الدولة بوصفها إطارًا للاستقلال الوطني والتنمية، وبين النظام السياسي بوصفه ترتيبًا تاريخيًا قابلًا للنقد والتغيير؟ وتنبع أهمية هذا التمييز من أنه يتيح مناقشة دور مؤسسات الدولة، وعلاقتها بالمجتمع، وقدرتها على التعبير عن مصالحه، من دون اختزال التجربة في الاحتفاء المطلق أو الإدانة الشاملة.

وتوقفت الجلسة كذلك عند التحولات المنهجية التي شهدها مشروع عبد الملك، في سياق انحيازه إلى التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية. وهي زاوية تستدعي قراءة أعماله في تعاقبها وتطورها، بدل تثبيت صورته عند كتاب واحد أو مرحلة بعينها؛ فمشروع يمتد من تحليل المجتمع المصري إلى دراسة الحضارات يحتاج إلى تتبع الأسئلة التي استمرت فيه، وتلك التي أعاد صاحبها صياغتها.
ويبرز نقد الاستشراق بوصفه أحد أبرز إسهاماته في النقاش الفكري العالمي. ففي دراسته «الاستشراق في أزمة»، المنشورة عام 1963، دعا عبد الملك إلى مراجعة التصورات والمناهج والأدوات التي استخدمها الغرب في دراسة الشرق. وربط ضرورة هذه المراجعة بصعود حركات التحرر الوطني، واستعادة شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية قدرتها على الفعل التاريخي.
وتكمن دلالة هذا النقد في مساءلة موقع الشعوب داخل المعرفة المنتجة عنها: هل تُدرس باعتبارها مجتمعات حية تتغير وتصنع تاريخها، أم تُختزل في صور ثابتة تفسر حاضرها بماضٍ مفترض لا يتحرك؟ وبهذا المعنى، يتجاوز النقاش تصحيح صورة الشرق إلى فحص الشروط التي تُنتج فيها المعرفة، ومن يملك سلطة تعريف المجتمعات وتفسير مساراتها.
وعلى امتداد مشروعه، اتسع اهتمام عبد الملك إلى العلاقة بين التكوينات الاجتماعية والأطر الثقافية والحضارية. ففي كتاباته عن التحولات العالمية، تناول أثر المركزية الغربية في العلوم الاجتماعية، وناقش انتقال المبادرة التاريخية وصعود مجتمعات آسيوية، مع استمرار أهمية الأمم والدول بوصفها فاعلين في السياسة العالمية. كما بحث إمكان معالجة التناقضات عبر التكامل، بدل افتراض أن الصدام هو مآلها الضروري.
وتوفر هذه الخلفية مدخلًا لفهم قضية «تمصير الفكر السياسي» التي كانت ضمن محاور الجلسة. ويمكن قراءة القضية باعتبارها دعوة إلى اختبار المفاهيم في ضوء التاريخ المصري وتكوين المجتمع وتحولاته، وإلى امتلاك القدرة على تعديل أدوات التحليل حين تعجز عن تفسير الواقع.

ومن هذا المنظور، يصبح التمصير عملًا معرفيًا يتطلب دراسة المجتمع دراسة دقيقة: علاقات السلطة والإنتاج، وتكوين الجماعة الوطنية، وتفاعل الثقافة مع المصالح الاجتماعية. فلا يكفي أن تُكتب النظرية بالعربية، أو أن تُضاف إليها أمثلة مصرية؛ الأهم أن تساعد على تفسير ما يجري، وأن تظل قابلة للمراجعة أمام الوقائع.
وفي المقابل، فإن الاستناد إلى الخصوصية يطرح مسؤولية نقدية موازية، حتى لا تتحول إلى ذريعة لإغلاق باب المقارنة أو تحصين الواقع من المساءلة. وتكمن قيمة الاشتغال على هذا السؤال في الجمع بين الانفتاح على المنجز الإنساني والقدرة على إنتاج معرفة تضيف إليه من داخل التجربة المصرية.

ويتصل ذلك بالتوجه الذي يعلنه صالون سعد زهران نحو نقد «الأصوليات» الفكرية الراسخة، وتطوير الحوار بين المدارس المختلفة، وصولًا إلى أشكال من «التوفيق والتركيب» تتيح إنتاج مشروعات أكثر جدة وثراءً. فالأصولية، في هذا السياق، يمكن أن تصيب أي مدرسة حين تتحول مفاهيمها إلى إجابات نهائية، ويصبح الدفاع عنها مقدمًا على اختبار قدرتها على فهم المجتمع.
وبهذا، تجمع الجلسة بين استعادة مشروع أنور عبد الملك واستعادة وظيفة الحوار الفكري نفسه: فحص المفاهيم، ومراجعة المسلمات، وإتاحة الاختلاف المنتج. وتضع أمام المهتمين بتجديد الفكر السياسي المصري مهمة تتجاوز حفظ تراث الرواد إلى مواصلة الاشتباك مع الأسئلة التي تركوها مفتوحة.
إن القيمة الأعمق لهذه العودة تكمن في أن تُقرأ أعمال عبد الملك بما تستحقه من تقدير ومساءلة معًا؛ فالمشروع الفكري يظل حيًا بقدر ما يتيح لمن يأتون بعده أن يفكروا، ويختلفوا، ويضيفوا. ومن هنا يمكن أن يصبح الوفاء لسعد زهران وأنور عبد الملك ممارسةً تتجدد: أن يستعيد الفكر المصري ثقته في قدرته على فهم مجتمعه، والمشاركة في صنع مستقبله.
- مدبولي: السيسي تسلم الدولة في ظروف غير طبيعية
- سيارة والدي اتسرقت، رئيس الحكومة يستعرض عددًا من التحديات قبل 2014
- مدبولي عن تطوير المناطق العشوائية: أقسم بالله السيسي جبر بخاطر الغلابة
- بمشاركة السيسي، ختام منتدى مصر 2026 اليوم
- طلاب جامعة القاهرة يشاركون في جلسة «الخطاب الديني وتأثيره على القيم في المجتمع» ضمن فعاليات منتدى مصر 2026






