قصة الجواري، قصة غريبة شغلت الرأي العام المصري لأكثر من عام، حتى إن صحيفة «جرافيك» البريطانية تحدثت عنها في مثل هذا اليوم 4 أكتوبر عام 1894 ولمدة ثلاثة أيام متواصلة، وهي قصة ستة من الجواري هن: «سعيدة، حليمة، زنوبة، فاطمة، زنوبة أخرى، مراسيلة»، كن قد أنهين حياة رئيس مجلس شورى النواب المصري السياسية، مع اثنين من نوابه وطبيب مشهور في ذلك الوقت.
تحكي قصة الجواري كيف يخالف المسؤول البرلماني القوانين ــ رئيس مجلس شورى النواب ــ لتحصيل مصلحة شخصية، وكيف يتربص به عدوه لفضح أمره والخلاص منه.
اتفاقية ومعاهدة لمنع بيع الجواري
تبدأ القصة حين وصلت الجواري الستة إلى مصر قادمات من السودان والحبشة بصحبة مجموعة من النخاسين، تمهيدًا لبيعهن سرًا، في الوقت الذي مُنع فيه في مصر بيع الجواري وفقًا لاتفاقية وقعت عليها مصر عام 1877 بتحريم بيع الرقيق، إلا أن استمرار بيع العبيد والجواري كان يتم سرًا، مما استلزم إنشاء مصلحة لرعاية شؤون الرقيق وبحث أحوالهن، برئاسة ضابط إنجليزي يُدعى «شيفر بك»، كان من مهامه ملاحقة تجار الرقيق وتقديمهم للعدالة، وقد تمكن من تحرير ما يقرب من 15 ألف عبد وجارية منذ عام 1882 عن طريق رجاله الذين يزيدون على 400 رجل، يركبون الأحصنة ويجوبون البلاد شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا.

بالرغم من كل ذلك، أحضر النخاسون الجواري إلى مصر وبدأوا في عرضهن، وعلم بالأمر أحد أكبر باشوات مصر، وكان رئيسًا لمجلس شورى النواب، هو علي باشا شريف، وعرضوا عليه البضاعة، وبدلًا من أن يرفضها الباشا، الذي كان من مهامه وضع القوانين والتأكد من تنفيذها، إذا به يقبلها ويعاينها سرًا، ويشتري ثلاثة منهن: حليمة، وفاطمة، وزنوبة، ويدفع ستون جنيهًا ثمنًا لهن، ضاربًا بالقانون عرض الحائط، أما الجواري الثلاث الباقيات، فقد اشترت إحداهن زوجة الدكتور عبد الحميد الشافعي، أحد أشهر أطباء هذا الزمان، وبيعت الثانية لحسين باشا واصف، مدير مديرية أسيوط، واستقرت الثالثة والأخيرة في عزبة محمد باشا الشواربي، عضو مجلس النواب وأحد أعيان قليوب. وهكذا ظن النخاسون أن العملية قد تمت بنجاح.

وعندما علم شيفر بك بهذه المبايعة، وكانت علاقته برئيس مجلس شورى النواب ليست على ما يرام، استغل الفرصة وسعى إلى الانتقام من كل من تولى شراء الجواري، رغبة منه في إذلال كبراء المصريين، فقام بتوجيه حملة للقبض على النخاسين أولًا، الذين اعترفوا ببيع الجواري إلى الباشوات، ودلوا على مشتري الجواري الستة، وتطبيقًا للقانون صدرت التعليمات باستدعاء علي باشا شريف والتحقيق معه، ومع الباشوات الثلاثة الآخرين، ووجهت لهم تهمة الاشتراك في الاتجار بالرقيق مخالفين للقانون.
وُجهت إلى رئيس مجلس النواب وواصف باشا والدكتور الشافعي التهمة، وأمضوا ليلتهم في الحبس مع المجرمين، أما الشواربي، المتهم السادس، فلم يكن موجودًا وقت استدعائه، وفطنت أسرة علي باشا شريف إلى أنه يحمل الجنسية الإيطالية، واستطاع القنصل الإيطالي التدخل لإطلاق سراحه بصفته أحد رعايا إيطاليا، وبالفعل أُطلق سراحه، وخرج باقي المتهمين بضمان شخصي من أحد الباشوات.
محكمة لمحاكمة النخاسين والباشوات
تشكلت محكمة عسكرية لمحاكمة النخاسين والجواري ورئيس مجلس شورى النواب والباشوات، وحضروا داخل القفص، وانقسم الحضور بالمحكمة إلى فريقين؛ الأول يطالب بالإفراج عن الباشوات، بينما يرى الفريق الآخر وحشية تجارة الرقيق، ليسقط علي باشا شريف مغشيًا عليه ومصابًا بأزمة قلبية حادة، وتأجلت محاكمته إلى حين شفائه، وقد أكد دفاع المتهمين من الباشوات أن الإثم هو الاتجار في الرقيق فقط، أما الشراء فلا يعاقب عليه القانون، لأن المشتري يقدم خدمة للجارية، إذ ينقلها من حياة قاسية إلى حياة فيها سعة.
اعتراف بخط يده بالخطأ الذي ارتكبه
استغرقت محاكمة الباشوات عشرة أيام، ثم صدر الحكم ببراءة حسين باشا واصف ومحمد باشا الشواربي، أما الدكتور عبد الحميد الشافعي، فقد حُكم بحبسه خمسة أشهر بسبب اعترافه، كما صدرت أحكام على النخاسين وصلت إلى السجن عدة سنوات، وطُلب من علي باشا شريف كتابة اعتراف مذل بخط يده بالخطأ الذي ارتكبه، طالبًا العفو والسماح، وبالفعل سامحه الخديو عباس حلمي الثاني وأصدر أمرًا بالعفو عنه، وبعدها قدم استقالته من رئاسة مجلس شورى القوانين بدعوى ظروفه الصحية، ولزم بيته حتى مات بعد ذلك بعامين إثر اعتلال صحته.
- فوز النائب شريف باشا برئاسة لجنة الصحة.. وأسماء عبد القادر وكريم بدر وكيلين
- شريف الجبلي رئيسا للجنة الأفريقية بمجلس النواب
- فوز شريف باشا برئاسة لجنة الصحة بدور الانعقاد الجديد بمجلس النواب
- سلام لشهباز شريف: ضرورة مواصلة الضغط لانسحاب إسرائيل الكامل ودعم بسط سلطة الدولة اللبنانية
- خلال اتصال مع ولي العهد.. شريف يؤكد وقوف باكستان وتضامنها الكامل مع المملكة






