تضع تحركات أسعار الفائدة الأمريكية وعوائد سندات الخزانة الأسواق الناشئة أمام اختبار جديد، مع تزايد المنافسة على جذب رؤوس الأموال وارتفاع تكلفة التمويل الخارجي، في وقت تواجه فيه العديد من الاقتصادات ضغوطا مرتبطة بخدمة الديون واحتياجاتها من النقد الأجنبي.
ولا يقتصر تأثير ارتفاع العائد على السندات الأمريكية على المستثمرين في وول ستريت، بل يمتد إلى الحكومات والشركات في الدول النامية، التي قد تضطر إلى دفع فوائد أعلى للحصول على التمويل، أو مواجهة صعوبات في جذب الاستثمارات الأجنبية إذا أصبحت الأصول الأمريكية أكثر جاذبية من حيث العائد والمخاطر.
وتزداد أهمية هذه التطورات مع اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مساء اليوم الأربعاء، إذ تترقب الأسواق ليس فقط قرار الفائدة، وإنما أيضا الإشارات المتعلقة بمسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، لما لها من تأثير في اتجاهات الدولار والعوائد العالمية وشهية المستثمرين للمخاطرة.
لماذا تمثل عوائد السندات الأمريكية تحديا للدول الناشئة؟
تعد سندات الخزانة الأمريكية معيارا رئيسيا لتسعير الأصول المالية حول العالم، نظرا إلى اعتبارها من أدوات الاستثمار منخفضة المخاطر الائتمانية نسبيا، وهو ما يجعل تحركات عوائدها عاملا مؤثرا في قرارات المستثمرين الدوليين.

وعندما ترتفع عوائد هذه السندات، تزداد جاذبيتها النسبية أمام الاستثمارات التي تنطوي على مخاطر أعلى، ومنها السندات الحكومية وأسهم الشركات في الأسواق الناشئة، خاصة إذا لم ترتفع العوائد في تلك الأسواق بما يكفي لتعويض المخاطر الإضافية.
وتشير تحليلات بنك التسويات الدولية إلى أن قوة الدولار الأمريكي تؤثر بصورة مهمة في تدفقات الاستثمار إلى السندات والأسهم المقومة بالعملات المحلية في الأسواق الناشئة، كما تلعب فروق أسعار الفائدة دورا في حركة التمويل المقوم بالعملات الأجنبية، وبالتالي فإن ارتفاع العوائد الأمريكية قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية لصالح الأصول الأمريكية، ما يقلص التدفقات إلى الأسواق الناشئة، ويزيد الضغوط على عملاتها وأسواق الدين فيها.
3 قنوات تنتقل عبرها الضغوط إلى الأسواق الناشئة
هناك عدة قنوات يمكن من خلال انتقال الضغوط الخاصة بقرارات الفيدرالي الأمريكي إلى الأسواق الناشئة، والتي يأتي في مقدمتها خروج رؤوس الأموال والضغط على العملات، وهذا عندما ترتفع جاذبية الأصول الأمريكية، قد يتجه بعض المستثمرين إلى تقليص حيازاتهم من السندات والأسهم في الأسواق الناشئة، خصوصا إذا تزامن ذلك مع ارتفاع الدولار وزيادة المخاوف بشأن المخاطر العالمية.
وتؤدي هذه التحركات إلى تراجع تدفقات النقد الأجنبي، وزيادة الطلب على الدولار، وارتفاع الضغوط على العملات المحلية، بما ينعكس على تكلفة الواردات والالتزامات المقومة بالعملات الأجنبية.
ويوضح صندوق النقد الدولي أن التحولات المفاجئة في تدفقات رؤوس الأموال غير المصرفية قد تزيد ضغوط التمويل الخارجي، وترفع تكاليف الاقتراض، وتؤدي إلى انخفاضات حادة في قيمة العملات، خصوصًا في الدول التي تعاني من ارتفاع أعباء الدين وضعف الاحتياطيات أو محدودية قدرتها على مواجهة الصدمات.
ومن بين القنوات أيضا، ارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي، حيث لا تحتاج الدول الناشئة إلى إصدار سندات جديدة حتى تتأثر بارتفاع العوائد الأمريكية، إذ يمكن أن ترتفع تكلفة التمويل الجديد وإعادة تمويل الديون المستحقة مع تغير ظروف الأسواق العالمية، فعندما ترتفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، قد يطالب المستثمرون بعائد أعلى على سندات الدول الناشئة، إلى جانب علاوة إضافية تعكس المخاطر السيادية ومخاطر العملة والسيولة.
ووفقا لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، بلغ متوسط عوائد السندات السيادية للدول النامية نحو 5.7% في عام 2025، مقارنة بنحو 5% قبل جائحة كورونا، فيما ظلت فروق العوائد عن الدول المتقدمة عند نحو 1.9 نقطة مئوية في العام نفسه، كما تراجعت متوسطات آجال استحقاق السندات من نحو 17 عامًا قبل 2021 إلى 9.5 أعوام في 2025، بما يزيد مخاطر إعادة التمويل.
وأخر القنوات تتمثل في زيادة أعباء خدمة الديون، حيث تظهر آثار ارتفاع الفائدة بصورة أوضح لدى الدول التي تعتمد على الاقتراض الخارجي لتغطية احتياجاتها التمويلية أو إعادة تمويل التزاماتها المستحقة، فارتفاع تكلفة إصدار الديون الجديدة قد يرفع فاتورة الفوائد تدريجيًا، ويقلص المساحة المتاحة للإنفاق على البنية التحتية والخدمات العامة والاستثمارات التنموية.
كما أن الدول التي لديها التزامات كبيرة بالدولار قد تواجه عبئًا إضافيًا إذا تراجعت عملاتها المحلية، لأن سداد الالتزامات نفسها يتطلب عندئذ مبالغ أكبر من العملة المحلية، وتختلف درجة التأثر بحسب هيكل الدين، ونسبة الديون ذات الفائدة المتغيرة، وآجال الاستحقاق، وحجم الاحتياطيات الأجنبية، وقدرة الدولة على توليد الإيرادات بالعملات الأجنبية.
مصر في مواجهة ارتفاع العوائد الأمريكية
تمثل مصر إحدى الحالات التي تستحق المتابعة في هذا السياق، بالنظر إلى احتياجاتها التمويلية الخارجية، وأهمية تدفقات الاستثمار الأجنبي في أدوات الدين المحلية، إلى جانب التزاماتها الخارجية واحتياجاتها من النقد الأجنبي.
ويظهر تقرير صندوق النقد الدولي بشأن المراجعة السابعة لبرنامج التمويل المصري أن احتياجات التمويل الخارجي المقدرة للعام المالي 2026/2027 تبلغ نحو 32.6 مليار دولار، مقابل مصادر تمويل خارجية مقدرة بنحو 30.5 مليار دولار، وفقا لتقديرات التقرير، وتشمل الاحتياجات عجز الحساب الجاري وأقساط القروض العامة والخاصة وسداد مستحقات للصندوق.
وتعني هذه الأرقام أن تطورات أسواق التمويل الدولية تظل عاملا مهما في حسابات الاقتصاد المصري، وإن كانت لا تعني بالضرورة تعذر توفير التمويل أو تحقق فجوة تمويلية نهائية بالقيمة نفسها، إذ تعتمد النتيجة على التدفقات الفعلية ومصادر التمويل المتاحة والتطورات الاقتصادية خلال العام.
أذون وسندات الخزانة المصرية تحت ضغط المنافسة
تعد أدوات الدين المحلية إحدى القنوات التي يمكن أن ينتقل عبرها تأثير ارتفاع العوائد الأمريكية إلى مصر، فإذا ارتفعت العوائد على السندات الأمريكية، فقد يطالب المستثمرون الأجانب بعائد أعلى على أدوات الدين المصرية لتعويض المخاطر الإضافية، أو يتجه بعضهم إلى تقليص استثماراته إذا تراجعت جاذبية العائد المعدل بالمخاطر.
وقد يؤدي خروج جزء من هذه الاستثمارات إلى زيادة الطلب على الدولار، والضغط على سوق الصرف، ورفع تكلفة جذب تدفقات جديدة إلى أدوات الدين المحلية، وفي المقابل يمكن أن تظل الاستثمارات في السوق المصرية جاذبة إذا عوض العائد المحلي المستثمرين عن المخاطر، وظلت توقعاتهم بشأن سعر الصرف والاستقرار الاقتصادي إيجابية.
هل تتضرر جميع الأسواق الناشئة بالدرجة نفسها؟
لا تتوزع آثار ارتفاع العوائد الأمريكية بالتساوي بين الاقتصادات الناشئة، إذ تكون الدول الأكثر اعتمادا على الاقتراض الخارجي، والأقل امتلاكا للاحتياطيات الكافية، والأعلى عبئا من حيث الدين، أكثر عرضة للتأثر بالصدمات المالية العالمية، في المقابل تتمتع الدول التي تمتلك احتياطيات قوية، وقاعدة متنوعة من مصادر النقد الأجنبي، وأوضاعا مالية أكثر استقرارا، بقدرة أكبر نسبيا على امتصاص الضغوط.
كما أن سبب ارتفاع العوائد الأمريكية يظل عنصرا حاسما، فإذا ارتفعت نتيجة تحسن النمو الاقتصادي الأمريكي وزيادة الطلب العالمي، فقد تستفيد بعض الاقتصادات الناشئة من تحسن فرص التصدير، أما إذا جاء الارتفاع نتيجة مفاجآت تشديد السياسة النقدية أو زيادة علاوة المخاطر، فقد تكون التداعيات المالية أكثر حدة.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين ارتفاع العوائد الناتج عن تحسن آفاق النمو، وارتفاعها الناتج عن تشديد نقدي غير متوقع؛ لأن كليهما قد يؤدي إلى ارتفاع العائد الأمريكي، لكن أثره في الأسواق الناشئة قد يختلف بصورة كبيرة.
- ارتفاع الأسهم الأوروبية مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي
- بيتكوين تهبط لأدنى مستوياتها منذ سبتمبر مع تصاعد رهانات رفع الفائدة الأمريكية
- تراجع الأسهم الأمريكية بفعل ارتفاع عوائد السندات وتوقعات رفع الفائدة
- الأسهم الأمريكية ترتفع مع تعزز توقعات رفع الفائدة
- الأسهم الأمريكية تتراجع مع ارتفاع النفط وتزايد رهانات رفع الفائدة






