نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
زي النهاردة، الإرادة الشعبية تفرض محمد علي باشا واليا على مصر وتطوي زمن المماليك, اليوم الأربعاء 17 يونيو 2026 09:54 صباحاً
في مثل هذا اليوم من عام 1805، صدر الفرمان العثماني الرسمي بتنصيب محمد علي باشا واليًا على مصر، وكان بمثابة ضربة صادمة ومفاجئة لإرادة الباب العالي في الآستانة؛ إذ جاء المشهد مدفوعًا بقوة ثورة شعبية عارمة قادها العلماء والمشايخ، لتكون المرة الأولى في التاريخ العربي الحديث التي تفرض فيها الإرادة الشعبية حاكمها وتحدد شروطها عليه، معلنة إسقاط الشرعية عن الوالي العثماني خورشيد باشا، وتدشين عصر جديد صاغ هوية مصر الإقليمية والعسكرية للقرون التالية.
ما قبل صعود محمد علي، فوضى عارمة وظلم فادح
حدث هذا الانفجار السياسي من رحم واقع مرير عاشته البلاد عقب جلاء الحملة الفرنسية، حيث غرقت مصر في مستنقع من الفوضى السياسية والتناحر العسكري بين العثمانيين والمماليك ؛ وترتب على تعيين خورشيد باشا واليًا تفاقم الأزمة الاقتصادية بشكل غير مسبوق، إثر فرضه ضرائب باهظة وجائرة على الأهالي لتوفير نفقات جنوده المرتزقة من الدلاتية، الذين عاثوا في شوارع القاهرة نهبًا وتخريبًا.
وعاش الشارع المصري حالة من الغليان المكتوم والمرارة الشديدة، حتى وصلت الأمور إلى ذروة التعبئة الجماهيرية في مايو 1805، حين حاصرت الجموع الغاضبة القلعة، وأعلنت العصيان المدني بانتظار صدمة تكتيكية تنهي هذا التغول العسكري.
تصعيد محمد علي، ذكاء دبلوماسي حذر وصياغة شروط الولاية
تجسدت عبقرية محمد علي؛ حين انحاز بذكاء لصفوف الشعب وأظهر زهدًا في السلطة، مما جعل قيادات الثورة وعلى رأسهم نقيب الأشراف عمر مكرم والشيخ عبد الله الشرقاوي يتوجهون إليه حاملين تفويض الأمة وألبسوا محمد علي "الكرك" أو ما كان يعرف باسم خلعة الولاية، ووضعوا أمامه شروط تنص على ألا يبرم أمرًا ولا يفرض ضريبة إلا بمشورتهم، وإن خالف ذلك عزلوه.
في المقابل رفض خورشيد باشا الاستسلام متحصنًا بمدافعه، فأدارت المقاومة الشعبية حصارًا محكمًا على القلعة، حتى اضطر السلطان العثماني أمام حتمية الأمر الواقع لإصدار فرمانه بعزل خورشيد وتثبيت محمد علي لإخماد البركان.
وترتب على تنصيب محمد علي باشا نتائج عجلت بظهور القوة الأبرز في حوض البحر المتوسط؛ إذ استغل الباشا الجديد هذا التفويض الشعبي لتثبيت أركان حكمه، قبل أن ينقلب لاحقًا على القيادات الشعبية تدريجيًا لضمان مركزية القرار.
ومع انقشاع غبار الأزمة، بدأ محمد علي في تفكيك قوى المماليك والإنكشارية القديمة وبناء أول جيش نظامي حديث على الطريقة الأوروبية، وأنشأ الأساطيل البحرية والمدارس والمصانع، ليتجاوز بمصر حدود التبعية الاسمية للدولة العثمانية، ويتحول إلى تهديد مباشر لعرش السلاطين أنفسهم، واضعًا الحجر الأساس لمشروع إمبراطوري في الشرق، انطلقت شرارته الأولى من وعي الشارع ومنابر الأزهر في ذلك اليوم المشهود.


















0 تعليق