نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
النصب التذكاري للعشوائية, اليوم الاثنين 6 يوليو 2026 01:47 مساءً
ولو كان عمرك عشرين عامًا، سيطاردك الموت في “التسعين”، وأنت وحظك ورشاقتك. ليست نكتة بايخة ولا فزورة سخيفة، بل حقيقة مؤلمة يعرفها كل من يحاول عبور أهم شارع في التجمع الخامس سيرًا على الأقدام.
فمهما بلغت مهاراتك في العدو والوثب والمراوغة، أنت في “التسعين” ريشة في مهب الريح. لا أحد يضمن لك العبور الآمن للضفة الأخرى من الشارع. لماذا؟
لأنه ببساطة لا توجد قواعد مرور واضحة يحترمها الجميع. كأن هناك اتفاقًا ضمنيًّا غير معلن بين سائقي المركبات و“الطيارين” وكتائب المشاة على التعايش مع الفوضى، في ما يشبه لعبة الروليت الروسي. فلا إشارات ضوئية كافية، ولا نقاط عبور واضحة للمشاة، ولا حتى رصيف يسير عليه المارة مطمئنين، ولا محطات حافلات لائقة.
فقط أربع إشارات مرورية على امتداد الجسر الإستراتيجي بين القاهرة والعاصمة الإدارية، الذي يستخدمه مئات آلاف أسبوعيًّا. منهم اثنتان فقط لعبور المشاة لا يعترف بهما قادة المركبات.
أما في محيط الشارع، فالفوضى هي سيدة الموقف حيث لا يوجد أصلًا موقف واحد شرعي لانتظار السيارات. فتجد العجب العجاب كل يوم. تقف السيارات في صفوف مثنى وثلاث ورباع، في مناطق يتكدس فيها عدد هائل من المستشفيات والمطاعم والبنوك والشركات، وكأن روادها رواد فضاء يهبطون من السماء ثم يعودون إليها.
وفي الصباح، تدور المعارك على مختلف جبهات الشارع بين المركبات والدراجات النارية والمشاة والسُّيّاس ومن حضر من رجال المرور. وفي المساء، يرفع المشاة الراية البيضاء: كشافات شاشات الهواتف المحمولة، حتى يعبروا الطريق آمنين.
يحدث كل ذلك في شارع “طول بعرض” بالمعنى المجازي والحرفي. فهو أحد أكثر شوارع القاهرة اتساعًا، إذ يبلغ عرضه 90 مترًا (سر الاسم) وطوله 23 كيلومترًا.
وعلى جانبيه تتربع مؤسسات تجارية ومالية، وأحزاب سياسية، وجامعات، وبنوك، ومستشفيات، وعيادات، وتجمعات سكنية فاخرة، ومراكز تجارية كبرى، بأصول تقدر قيمتها بنحو تريليوني جنيه، ناهيك عن مونوريل ينطلق فوقه بتكلفة تبلغ 4.5 مليار دولار.
مواصفات غير عادية كان يفترض أن تجعل من الطريق، نموذجًا عالميًا يعكس التطور الهائل للبنية التحتية في مصر. لكن بسبب سوء التخطيط، صار شارع التسعين كأنه النصب التذكاري للعشوائية.
وهو، بحالته هذه، ليس فريدا من نوعه، بل عنوان عريض لظاهرة عامة، يجسد فيها المشاة دور الكومبارس بشوارع صُممت أصلًا للمركبات، بينما الأرصفة للإعلانات، والانضباط المروري في عداد المفقودين.
مشكلة خطيرة. تفاقمها الإنجازات الكبيرة التي تحققها الدولة في شبكة الطرق. فاتساعها يزيد مخاطرها، لأعداد هائلة تضطرهم ظروف الحياة لتمضية معظم يومهم خارج بيوتهم، ما يجعلهم في حاجة ماسة إلى بيئة آمنة وحلول عاجلة تحد من حوادث الطرق التي تسببت عام 2025 في إصابة نحو 85 ألف شخص ووفاة 5829، بحسب تقرير أصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
بعض الحلول يستلزم رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وفق المواصفات الدولية، وتحويل مناطق معينة إلى شوارع صديقة للمشاة، وزيادة المتابعة المرورية، ورفع الوعي العام، حتى لا يصبح عبور الشوارع، التي شقتها الدولة لتيسير حياة الناس، مغامرة خطيرة قد تودي بحياة بعضهم.
[email protected]

















0 تعليق