الصدمة الجاذبة

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الصدمة الجاذبة, اليوم الخميس 13 أغسطس 2026 11:48 صباحاً

كم أغنية رفضناها من اللحظة الأولى، ثم اكتشفنا بعد أيام أننا نرددها دون أن نشعر؟ الغريب أن الذاكرة الموسيقية لا تحتفظ دائما بما أحببناه من اللحظة الأولى، وإنما قد تحتفظ بما قاومناه في البداية. كأن الأذن تحتاج أحيانا إلى وقت كي تعتاد ما لم تعتده من قبل.


هذه المسافة بين الصدمة والألفة تفتح بابا مهما لفهم علاقة الجمهور بالأغنية، وتحديدا من خلال ما تطرحه نظرية التلقي حول أفق التوقع، فالمتلقي لا يستقبل العمل الفني من فراغ، وإنما يأتي إليه محملا بذاكرة سابقة وتوقعات وصور ذهنية عما ينبغي أن يكون عليه العمل أو الفنان.


وحين يأتي العمل مختلفا عن هذه التوقعات، تحدث الصدمة.. لكن الصدمة لا تعني بالضرورة الرفض النهائي، فأحيانا تكون بداية عملية أخرى أكثر تعقيدا، هي إعادة التلقي، ولعل واحدة من أشهر الحكايات التي تكشف هذه المفارقة تعود إلى عبد الحليم حافظ، عندما غنى "صافيني مرة" في بداياته.

 

حينها لم يستقبل الجمهور اللون الجديد بالترحاب، بل وصل الاعتراض إلى قذف المطرب بالبيض والطماطم، ومطالبته بغناء أعمال الموسيقار محمد عبد الوهاب. لكن الأغنية نفسها عادت بعد ذلك لتلقى نجاحا كبيرا، وكانت من البدايات التي صنعت اسم العندليب.


ما الذي تغير إذن؟! الأغنية لم تتغير، ولكن ما تغير هو موقعها داخل وعي المتلقي. وهنا تكمن المفارقة، فما نرفضه أحيانا ليس لأنه سيئ، وإنما لأنه جديد أكثر مما توقعنا في اللحظة الأولى.


وبعد أكثر من سبعين عاما، تبدو الحكاية وكأنها تعود في صورة أخرى مع ألبوم عمرو دياب الجديد "حبيتك"، فالألبوم الذي طرح في يوليو 2026، وضم 12 أغنية، استقبلته الآراء الأولى بحالة من الانقسام، بين من رأى أن بعض الكلمات غير موفقة وسخر منها، ومن أعجبته الأغاني.

وهنا يصبح عمرو دياب مثالا معاصرا على استمرار الظاهرة، فالجمهور الذي اعتاد صورة موسيقية معينة لنجم مثله يستمع إلى الأغنية الجديدة وهو يحمل "أفق توقع".


أغنية "الألوان" مثال واضح على ذلك، فالكلمة نفسها بسيطة ويومية، لكنها تصبح محورا غنائيا، بما يجعل المألوف يبدو فجأة غريبا بما يكفي لإثارة الانتباه. أما أغنية "لولا البنات"، فتذهب إلى منطقة أكثر عمقا.. الذاكرة الشعبية، فالأغنية تستدعي قاموسا شعبيا مصريا مألوفا في تعبيراته وصوره، ثم تعيد تقديمه داخل صياغة موسيقية وبصرية معاصرة. هنا لا يُقدم الفولكلور باعتباره مادة قديمة منسية، وإنما باعتباره مادة قابلة للتدوير، يمكن إعادة تشكيلها لتخاطب المستمع المعاصر.


وهذه واحدة من أجمل ألعاب التلقي، أن تجعلنا نتعرف إلى شيء قديم من خلال شكل جديد، فالمتلقي قد لا يذهب إلى الفولكلور بحثا عن الفولكلور ذاته، لكنه حين يسمعه في صياغة معاصرة، تشتغل ذاكرته بحميمية دون استئذان. شيء مألوف في عمقه، جديد في مظهره. وهكذا لا يصبح التراث نقيضا للحداثة، وإنما مادة يمكن للحداثة أن تعيد اكتشافها.


الأمر نفسه يحدث مع الأغنية التي تصدمنا في بدايتها. كثرة الاستماع تمنح الأذن فرصة للتكيف، وتداول الأغاني يمنحها حياة خارج لحظة الاستماع الأولى، والتعليقات والاختلافات حولها تحولها من مجرد أغاني إلى موقف قابل للكلام.


وهنا تدخل وسائل التواصل الاجتماعي لتغير قواعد اللعبة. فالاعتراض نفسه أصبح مشاركة، والسخرية أصبحت ترندا، وإعادة نشر المقطع أصبحت جزءا من انتشار العمل. لم يعد الجمهور مستهلكا صامتا، بل أصبح مشاركا، فهو يعيد إنتاج الأغنية بالكلام والصور والمقاطع والميمز والنشر.


وتكرار تلك الظاهرة يكشف شيئا مهما عن طبيعة التلقي.. الأذن لا تبحث فقط عما تعرفه، وإنما قد تتعلم بمرور الوقت أن تحب ما كان غريبا عنها!

لهذا لا تبدو المسألة في النهاية مرتبطة بعمرو دياب وحده، ولا بعبد الحليم حافظ قبله. "وهنا لا أقارن بين الفنانين، ولكن بين الظاهرة المشتركة بينهما".. إنها تتعلق بعلاقة أقدم وأعمق بين الفن والجمهور. الفنان يختبر حدود المألوف، والجمهور يقاوم، ثم يعيد النظر، ثم يعتاد ويألف من جديد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق