تترقب أسواق الطاقة تأثير زيادة السعودية لصادراتها النفطية، في وقت تواجه مخزونات النفط الأميركية ضغوطًا متزايدة مع استمرار السحب من الاحتياطي الإستراتيجي، وسط مخاوف بشأن إمدادات الديزل وحركة التجارة العالمية خلال المرحلة المقبلة بصورة ملحوظة.
وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن) خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي إن الاحتياطي الأميركي يواجه إشكالية كبيرة، بسبب تباطؤ السحب من الاحتياطي الإستراتيجي، رغم ارتفاع أسعار الخام وحاجة الأسواق إلى مزيد من الإمدادات.
وأوضح الحجي أن مخزونات النفط الأميركية لم تعد تمثل مصدرًا مرنًا للإمدادات كما كانت سابقًا، بعدما سحبت الإدارة الأميركية نحو 140 مليون برميل من الكمية المقررة البالغة 172 مليون برميل، ولم يتبق سوى نحو 30 مليونًا.
وأضاف أن أزمة الديزل ترتبط مباشرة بالخامات المتوسطة والثقيلة التي تراجعت إمداداتها من الخليج والبحر الأسود، موضحًا أن تعويض هذه الكميات أصبح أكثر صعوبة، في ظل اقتراب برنامج السحب الأميركي من مراحله الأخيرة خلال المرحلة الراهنة.
وجاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من البرنامج الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، الذي يقدمه دكتور أنس الحجي على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، وجاءت بعنوان "ما تأثير زيادة السعودية لصادراتها النفطية؟ وما الخيارات المتاحة أمام ترمب قبيل الانتخابات؟".
السحب من الاحتياطي الإستراتيجي
يرى دكتور أنس الحجي أن الاحتياطي الأميركي دخل مرحلة حساسة، بعدما انخفض معدل السحب الأسبوعي من مستويات بلغت 9 إلى 10 ملايين برميل في ذروة العملية إلى نحو 400 ألف برميل حاليًا، مع تسجيل 800 ألف برميل خلال الأسبوع السابق.
ويطرح هذا التراجع سؤالًا مهمًا بشأن سبب انخفاض السحب من الاحتياطي الإستراتيجي، إذ يرجح الحجي احتمال وجود مشكلات تقنية مرتبطة بالمغاور الملحية أو معدات السحب، أو تراجع رغبة الشركات في الاقتراض من مخزونات النفط الأميركية المتاحة.
وتكشف الأرقام عن أن الاحتياطي الأميركي لم يُستنزف عبر البيع المباشر، بل جرى إتاحة الكميات في صورة اقتراض، ما يعني أن الشركات تعيد الخام لاحقًا، وهو نظام يختلف عن عمليات التصريف التقليدية للاحتياطي في الوقت الراهن.

ويشير دكتور أنس الحجي إلى أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة يفترض أن يشجع الشركات على الاقتراض، ثم إعادة الخام عندما تنخفض الأسعار، موضحًا أن الفوائد المرتفعة لا تمنع تحقيق أرباح كبيرة من فروقات الأسعار المتاحة خلال هذه المرحلة.
ومع اقتراب الكمية المتبقية من الاحتياطي الأميركي من النفاد التشغيلي، تدرس الإدارة الأميركية سحب 30 مليون برميل إضافية، لكن الحجي يتساءل عن جدوى هذه الخطوة إذا كانت الشركات لا تقبل على الكميات المعروضة حاليًا.
ويرى أن إضافة 30 مليون برميل إلى السحب السابق البالغ 172 مليونًا لن تحدث تأثيرًا كبيرًا في السوق، لأن الكمية محدودة مقارنة بحجم الاستهلاك العالمي، فضلًا عن أن المشكلة الأساسية تتعلق بضعف الإقبال على الاقتراض من مخزونات النفط الأميركية.
ويؤكد الحجي أن الاحتياطي الأميركي لا يواجه خطر النفاد الكامل، وإنما تقترب الكميات المقرر سحبها من نهايتها، ما يضع صناع القرار أمام اختبار صعب بشأن كيفية دعم الأسواق إذا استمرت الضغوط على إمدادات الوقود خلال المدة المقبلة.
الديزل وزيادة صادرات السعودية
تكتسب مخزونات النفط الأميركية أهمية أكبر مع تصاعد أزمة الديزل عالميًا، لأن إنتاج هذا الوقود يعتمد بدرجة كبيرة على الخامات المتوسطة والثقيلة، وهي الأنواع التي تضررت إمداداتها من الخليج والبحر الأسود خلال الأسابيع الأخيرة.
وبحسب دكتور أنس الحجي، فإن النفط المتوسط والثقيل الخليجي والروسي والقازاخستاني كان من أبرز الخامات المتأثرة بالتوترات، وهو ما زاد الضغوط على إنتاج الديزل، وجعل البحث عن إمدادات بديلة أكثر إلحاحًا للأسواق العالمية خلال المرحلة المقبلة.
ويشير إلى أن مخزونات النفط الأميركية كانت المكان الوحيد القادر على إضافة كميات فورية نسبيًا إلى السوق، لكن اقتراب برنامج السحب من نهايته يطرح سؤالًا صعبًا.. من أين يأتي الديزل خلال المرحلة المقبلة؟

ويفسر دكتور أنس الحجي أهمية زيادة السعودية ودول خليجية أخرى -خصوصًا الكويت والعراق- صادراتها من النفط المتوسط والثقيل، موضحًا أن زيادة هذه الإمدادات تعني دعم إنتاج الديزل، لكن الجزء الأكبر من التأثير سيظهر في الأسواق الآسيوية.
وتكمن المشكلة بالنسبة إلى أميركا الجنوبية في أن الإمدادات الأميركية قد لا تستطيع توفير الكميات الكافية وحدها، خصوصًا إذا تراجعت صادرات الولايات المتحدة من المنتجات النفطية إلى المنطقة، ما يزيد حساسية الأسواق أمام أي نقص جديد خلال المدة الحالية.
ويرى الحجي أن عودة خط أنابيب شرق-غرب السعودي للعمل بكامل طاقته قد تدفع جزءًا أكبر من صادرات المملكة نحو الغرب، ما يتيح دعم مخزونات النفط الأميركية، وليس بالضرورة استجابة لضغوط سياسية أو رغبة في إرضاء واشنطن.
ويؤكد أن أرامكو تملك أكبر مصفاة أميركية، ولذلك فإن زيادة صادرات النفط السعودي من المواني الغربية قد تخدم مصالحها التجارية مباشرة، وتدعم مخزونات النفط الأميركية، عبر توفير خام مناسب للتكرير وتحقيق هوامش ربح مرتفعة من الديزل.
كيف تستفيد الأسواق الأميركية؟
عند ارتفاع تدفقات النفط السعودي إلى الولايات المتحدة قد تستفيد الأسواق الأميركية من زيادة الخام المتاح للمصافي، ما يرفع إنتاج المشتقات ويخفف الضغوط على سوق الديزل خلال الأوقات الحرجة، خاصة مع تراجع السحب من الاحتياطي.
ويشير دكتور أنس الحجي إلى أن الشحنات السعودية الأخيرة المتجهة إلى الولايات المتحدة ذهبت في معظمها إلى أرامكو ومصافيها هناك، وهو ما يعكس ارتباط زيادة الصادرات بحسابات اقتصادية تتجاوز الاعتبارات السياسية المباشرة، وتدعم إنتاج الديزل محليًا.
وتستطيع المصافي الأميركية الاستفادة من الخام السعودي عبر تحسين مزيج التغذية وزيادة إنتاج الديزل، ثم دعم مخزونات النفط الأميركية وتوجيه جزء من المنتجات إلى الأسواق التي تعاني نقصًا، ما يخلق مسارًا تجاريًا يربط الخليج بالولايات المتحدة وأميركا الجنوبية.
ومن هذا المنطلق، قد تساعد زيادة السعودية صادراتها النفطية على إعادة توزيع الإمدادات عالميًا، إذ يمكن أن يصل النفط السعودي إلى الولايات المتحدة، ثم تتحول قيمته إلى ديزل يصل لاحقًا إلى أميركا الجنوبية.
ولا يعني ذلك أن كل برميل سعودي سيذهب إلى الولايات المتحدة، بل إن مسارات التجارة ستتحدد وفق فروقات الأسعار وهوامش التكرير والطلب الإقليمي، وهي عوامل تحدد دور مخزونات النفط الأميركية والوجهة الأكثر ربحية للشحنات خلال كل مدة.

ويرى دكتور أنس الحجي أن الهدف الأفضل للسعودية ودول الخليج ليس دفع الأسعار إلى مستويات شديدة الارتفاع، لأن موجات الصعود الحادة قد تدمر الطلب، حتى إذا حقق المنتجون أرباحًا أكبر على المدى القصير.
وتحتاج الأسواق -وفق رؤية الحجي- إلى أسعار تحقق توازنًا مقبولًا للمنتجين والمستهلكين، لأن استقرار السعر عند مستويات مناسبة لمدة طويلة قد يكون أكثر فائدة لدول الخليج من القفزات الحادة ثم الانهيارات السعرية.
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- شركة بتروكيماويات سعودية توزع 13.8 مليون دولار أرباحًا عن النصف الأول 2026
- حقول النفط والغاز في المغرب.. كنز من الاحتياطيات وتطوير غائب (ملف خاص)
- صادرات النفط الإيرانية تستعد لمواجهة عقوبات ترمب الاقتصادية.. ما الخطوة القادمة؟ (مقال)
- ترامب: أخفقت بشكل سيئ للغاية في تسويق سجلي الاقتصادي وأفكر جديا بحظر صادرات الديزل
- السعودية الأولى عالمياً في قيمة صادرات التمور بنحو ملياري ريال
- صادرات النفط السعودية تقفز 80% في سبتمبر لتقترب من مستويات ما قبل الحرب
- مخزونات الديزل في أوروبا تحت ضغط أميركي.. 120 مليون برميل على المحك
- ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب.. الديزل يتجاوز 16 درهمًا






