في ظل اتساع الفجوة بين الرواتب وتكاليف المعيشة في سوريا، تبرز قضية الحد الأدنى للأجور بوصفها أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية، مع استمرار الزيادات الاسمية في الأجور من دون أن تنعكس بما يكفي على القدرة الشرائية للأسر.
وفي هذا السياق، يطرح الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، في حديث لـ”الوطن”، تقديراته لمستوى الأجر المطلوب، والمعايير الاقتصادية التي ينبغي اعتمادها لتحديده، ما يتناسب مع الاحتياجات المعيشية الفعلية.
فجوة واسعة
يشهد الحد الأدنى للأجور في سوريا منذ عام 2024 سلسلة زيادات اسمية كبيرة، إذ ارتفع من نحو 18 دولاراً إلى ما يقارب 105 دولارات في عام 2026، لكن هذا التحسّن الشكلي يخفي واقعاً أكثر قسوة، يتمثل في أن الحكومة رفعت الحد الأدنى للأجور إلى 12,560 ليرة سورية جديدة فقط، في حين تظهر البيانات الميدانية أن تكلفة المعيشة الدنيا لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد تتجاوز هذا الرقم بعشرات المرات.
ويؤكد الدكتور عبد الرحمن محمد، أن الفجوة بين الأجر الاسمي والقدرة الشرائية الحقيقية ليست مجرد مسألة أرقام، بل تمثل جوهر أزمة إعادة الإنتاج الاجتماعي في سوريا اليوم.
الحد الأدنى المطلوب
يرى محمد أن الحد الأدنى للأجور يجب أن يصل إلى ما بين 8 ملايين و13 مليون ليرة سورية جديدة شهرياً، بحسب منهجية حساب تكلفة المعيشة، أي أعلى بعشرات المرات من المستوى الحالي البالغ 12,560 ليرة.
وتستند التقديرات إلى منهجيتين مختلفتين لحساب تكلفة المعيشة، تكشف كل منهما عن اتساع الفجوة بين الأجور والاحتياجات الأساسية للأسر، وإن اختلفت البنود التي تشملها كل سلة.
مؤشر قاسيون يكشف حجم الفجوة
تعتمد المنهجية الأولى على مؤشر قاسيون لتكلفة المعيشة، الذي يستند إلى معيار السعرات الحرارية، بمعدل 2400 سعرة حرارية للفرد يومياً، لتحديد سلة غذائية أساسية، على أن يشكّل الغذاء 60 بالمئة من إجمالي النفقات، فيما يغطي الجزء المتبقي تكاليف السكن والنقل والتعليم والصحة.
وتشير بيانات نهاية أيلول 2026 إلى أن الحد الأدنى لتكلفة معيشة أسرة مكوّنة من خمسة أفراد يبلغ 8,191,250 ليرة سورية جديدة، بينما يصل متوسط تكلفة المعيشة إلى 13.1 مليون ليرة. ووفق هذا المعيار، لا يغطي الأجر الحالي سوى نفقات تتراوح بين ثلاثة وخمسة أيام للأسرة.
سلة الحد الأدنى للإنفاق
أما المنهجية الثانية، فتستند إلى سلة الحد الأدنى للإنفاق (MEB) المعتمدة لدى برنامج الأغذية العالمي، إذ تبلغ تكلفة هذه السلة لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد نحو 26,551 ليرة سورية جديدة في حزيران 2026.
لكن هذه السلة تستثني السكن والنقل والتعليم والصحة والملابس، وتقتصر أساساً على الغذاء والاحتياجات الأساسية للبقاء.
وحتى وفق هذا المعيار، لا يغطي الأجر الحالي سوى 47 بالمئة من تكلفة السلة، فيما تنخفض نسبة التغطية إلى أقل من 10 بالمئة عند إضافة البنود غير الغذائية، بحسب التقديرات الواردة في المادة الأصلية.
معايير اقتصادية
يشدد محمد على ضرورة اعتماد منهجية سلة معيشية كاملة تشمل الغذاء والسكن والطاقة والنقل والتعليم والرعاية الصحية، بدلاً من الاقتصار على سلة الطوارئ المقتصرة على الغذاء.
كما يؤكد أهمية ربط تحديد الأجور بمعدل التضخم الفعلي، بالاستناد إلى مؤشر أسعار المستهلك الفعلي، وليس إلى سعر الصرف الرسمي، مع مراعاة حجم الأسرة والاختلافات الإقليمية، نظراً إلى التفاوت الكبير في مستويات الأسعار بين المحافظات، ومنها حماة وحلب والسويداء ودرعا وإدلب.
ويشير محمد إلى ضرورة التمييز بين أجر البقاء وأجر إعادة الإنتاج، فالحد الأدنى للأجور لا ينبغي أن يضمن عدم الموت جوعاً فحسب، بل يجب أن يتيح أيضاً إعادة إنتاج قوة العمل، ما يعني قدرة العامل على الاستمرار في العمل وتنشئة الجيل القادم.
- «عايزين نشوف أخونا ونحضنه».. انهيار أسرة محمد لطفي ضحية حادث السودان بالدقهلية
- أجور النقل تلتهم الدخل وتزيد العبء على الأسرة
- أنصفوه وأمنحوه الحد الأدنى للأجور، رسالة قوية من محمد علي خير للحكومة بشأن معلم الحصة
- الليلة، انطلاق فعاليات مهرجان الموسيقى العربية الـ34
- مساهمو "بناء" ينتخبون مجلسا جديدا ويقرون عقودا مع أطراف ذات علاقة






