شارك الكاتب الصحفي الدكتور محمد ثروت، أستاذ الإعلام الرقمي، في أعمال منتدى تحديث الجنوب العالمي 2026، الذي شهد مناقشات موسعة حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، وحوكمة التكنولوجيا، والتنمية الشاملة، وسبل تعزيز التعاون بين دول الجنوب العالمي، بمشاركة نخبة من الخبراء والأكاديميين وصناع القرار من دول ومؤسسات دولية مختلفة.
ونظم المنتدى عدد من المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الصينية، من بينها مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني، والأكاديمية الوطنية للحوكمة، والأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، إلى جانب جامعات بكين ورنمين والقاهرة، وبمشاركة خبراء وباحثين من تخصصات ودول متعددة.
واستمرت المناقشات لنحو ثلاث ساعات ونصف، بمشاركة 13 متحدثًا يمثلون تخصصات ومناطق جغرافية مختلفة، حيث تركزت الحوارات حول سؤال رئيسي يتعلق بكيفية جعل الذكاء الاصطناعي أداة للتنمية والنفع العام، وليس وسيلة جديدة لتعميق الفجوات بين الدول أو احتكار المعرفة والتكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي.. من الاحتكار إلى المشاركة
شهد المنتدى تأكيدًا واسعًا على أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في وجود تقنيات الذكاء الاصطناعي من عدمه، وإنما في كيفية استخدامها بصورة أفضل وأكثر كفاءة وأقل تكلفة، وإتاحتها أمام أكبر عدد ممكن من الدول والمجتمعات.
وناقش المشاركون أهمية تطوير نماذج عالية الكفاءة، وتوفير أدوات مفتوحة المصدر، ودعم الخوارزميات المفتوحة، وتطوير قواعد بيانات متاحة للباحثين، إلى جانب دمج التدريب وبناء القدرات البشرية مع التطور التكنولوجي.
كما طُرحت أفكار للتعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى، ومن بينها تطوير قواعد بيانات يمكن للباحثين الاستفادة منها، بما يدعم انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة الاحتكار إلى مرحلة المشاركة والنفع للجميع.
وأكد المتحدثون أن توفير الأدوات المفتوحة، وتدريب الكوادر، وإنشاء آليات تكنولوجية متقدمة، يمثل ركائز أساسية لبناء حوكمة عالمية أكثر عدالة للذكاء الاصطناعي، وتمكين مزيد من الناس من المشاركة في صناعة المستقبل الرقمي.
فجوة الذكاء الاصطناعي ليست تكنولوجية فقط
وناقشت الخبيرة هدير سعيد قضية التنمية الشاملة، مؤكدة أن تقليص الفجوات بين الشمال والجنوب يواجه تحديات تتجاوز التكنولوجيا نفسها، وفي مقدمتها محدودية البنية التحتية الرقمية، ونقص البيانات والمهارات والكوادر القادرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي.
ودعت إلى تبني رؤية أوسع لتعظيم الأصول التنموية للدول، ووضع إطار عالمي للتنمية الشاملة لا يقتصر على استهلاك التكنولوجيا، وإنما يمتد إلى إنتاج المعرفة والحلول، مع تطوير برامج وطنية لتدريب الأطفال والشباب وبناء الكفاءات القادرة على التعامل مع التقنيات الجديدة.
وأكد المشاركون الحاجة إلى آليات أكثر فاعلية لتدفقات البيانات، وتسريع الجهود الدولية الرامية إلى الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، مع تعزيز التعاون بين دول الجنوب العالمي وتبادل الخبرات وتأهيل القدرات البشرية.
مصر والاستثمار في البنية الرقمية
وتناول المنتدى التجربة المصرية في الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، باعتبارها أحد المداخل الرئيسية لتقليص الفجوة الرقمية والاندماج بصورة أكبر في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وأكد المشاركون أهمية التعاون الدولي في تطوير البنية التكنولوجية، وتوفير حلول منخفضة التكلفة، وعدم ترك دول الجنوب العالمي خارج سباق التطور التكنولوجي، خاصة مع التحولات المتسارعة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي.
كما تناولت المناقشات أهمية تطوير أطر وطنية ودولية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، بما يضمن تحقيق التوازن بين الابتكار وحماية الخصوصية والأمن الرقمي، ومواجهة التزييف العميق والاختراقات والمشكلات القانونية المرتبطة بالتكنولوجيا.
مستشار رئيس الوزراء الماليزي: لا نريد استئجار الذكاء الاصطناعي
وفي مداخلة لافتة، طرح مستشار سابق لرئيس الوزراء الماليزي تساؤلات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن القضية لا تتمثل في استخدام النماذج الجاهزة فقط، وإنما في قدرة الدول على الحفاظ على سيادتها الرقمية وولايتها على بياناتها وقراراتها.
وأشار إلى أهمية تنويع مصادر التكنولوجيا والطاقة، وإلى التحولات الكبيرة في سوق نماذج الذكاء الاصطناعي، مستشهدًا بظهور نماذج منخفضة التكلفة ومفتوحة المصدر، وهو ما يفرض إعادة التفكير في نموذج احتكار التكنولوجيا.
وأكد أن العلاقة بين الصين ودول المنطقة يجب أن تقوم على الشراكة، وليس مجرد استئجار التكنولوجيا، بما يسمح للدول ببناء قدراتها المحلية والحفاظ على سيادتها الرقمية.
الذكاء الاصطناعي في الزراعة وإدارة المياه والكوارث
وتناولت المناقشات نماذج للتعاون بين الصين ودول آسيوية في استخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة وإدارة الموارد المائية والتنبؤ بالكوارث، إلى جانب تطوير نماذج لغوية مشتركة.
كما طُرحت أهمية استخدام الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية الصينية في مواجهة الكوارث في أفريقيا، ومكافحة الجراد، وتحليل البيانات والاستشعار عن بُعد.
وأشار المشاركون إلى إمكانية استخدام تقنيات الأقمار الصناعية في مراقبة التغيرات البيئية والمائية، بما في ذلك متابعة نهر النيل، ورصد التغيرات العمرانية والتنموية في مصر خلال فترات زمنية مختلفة.
البرازيل.. الذكاء الاصطناعي والثقافة المحلية
واستعرض أحد المشاركين التجربة البرازيلية في التعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل التحديات التي ظهرت خلال انتخابات 2024، ومنها استخدام تقنيات التزييف العميق وإنتاج محتوى مضلل مرتبط بالمرشحين.
وأكد المشاركون ضرورة وجود أطر تشريعية وطنية للذكاء الاصطناعي، على أن تكون هذه الأطر قائمة على مبادئ واضحة وقابلة للتطور، بدلًا من إصدار قانون جديد مع كل تقنية جديدة.
كما ناقشوا أهمية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على اللغات والثقافات المحلية، مشيرين إلى أن النموذج قد يكون قادرًا على فهم اللغة، لكنه لا يكون بالضرورة على دراية كاملة بثقافة المجتمع وسياقه التاريخي.
ومن هنا برزت أهمية أن يحصل كل مجتمع على إجابات تتناسب مع قيمه وتاريخه وثقافته، مع الحفاظ على الحياد والشفافية.
الصين والعالم العربي.. اللغة جسر للتعاون
وفي مداخلة لافتة، تحدث وانغ وانغدا، أستاذ جامعة شنغهاي للدراسات الدولية والأمين العام لمركز الدراسات الصيني العربي للإصلاح والتنمية، عن أهمية اللغة والتواصل الثقافي في العلاقات الصينية العربية.
وأشار إلى أن اللغتين الصينية والعربية من أكثر اللغات تحديًا في الترجمة والتواصل، وأن بعض الشركات الصينية واجهت مشكلات في التواصل مع الموظفين المحليين بسبب اختلاف اللغة والثقافة.
وتحدث عن اهتمام الجمهور الصيني بالحضارة المصرية القديمة، مشيرًا إلى الإقبال الكبير الذي حظي به معرض للحضارة المصرية القديمة في شنغهاي، وهو ما يعكس وجود مساحة واسعة لتعزيز التواصل الثقافي بين الصين والعالم العربي.
وأضاف أنه درس اللهجة المصرية لنحو عشر سنوات، مشيرًا إلى انتشار اللهجة المصرية في العالم العربي عبر السينما والدراما، وهو ما جعلها إحدى أدوات التواصل الثقافي العربي.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في تسهيل فهم اللهجات والثقافات المختلفة، ودعم بناء جسور التواصل بين الشعوب.
الحضارات لا تتنافس.. بل تتحاور
وشدد المشاركون على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يجب ألا يقود إلى صراع حضاري أو هيمنة ثقافية، وإنما إلى تبادل وحوار بين الحضارات.
وأكد الدكتور يانغ بوجيانغ، من الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي يضع دول العالم أمام تحديات مشتركة، مشيرًا إلى أن البيانات المتاحة لتدريب النماذج تعاني من اختلال واضح في التوزيع اللغوي والثقافي، مع هيمنة كبيرة للغة الإنجليزية مقارنة بلغات أخرى، ومنها الصينية والعربية.
ودعا إلى الانتقال من مرحلة احتكار النماذج والتكنولوجيا إلى مرحلة المشاركة، وتطوير نماذج كبيرة مفتوحة المصدر يمكن تكييفها محليًا وبكلفة أقل، بما يجعل التكنولوجيا أكثر فائدة لدول الجنوب العالمي.
أجندة جديدة للتنمية بعد 2030
كما ناقش المنتدى مستقبل التنمية العالمية في مرحلة ما بعد عام 2030، حيث تنتهي أجندة التنمية المستدامة، وطرح المشاركون أفكارًا لتطوير أجندة جديدة تقوم على التنمية الشاملة والمشاركة والابتكار والتعاون.
وتناول النقاش تقريرًا حول مستقبل التنمية يتضمن رؤية ترتكز على المشاركة والتنمية البشرية الشاملة، في ضوء التحديات الراهنة التي يواجهها العالم، ومن بينها تصاعد النزاعات، وأزمات التمويل، وارتفاع مستويات الديون، واستمرار الفقر في عدد من دول أفريقيا.
ودعا المشاركون إلى الانتقال من مجرد قائمة من أهداف التنمية إلى منظومة متكاملة من الأهداف والسياسات، تركز على تقاسم ثمار التنمية ورفاهية الشعوب والابتكار والتعاون.
كما طالبوا بتعزيز دور الأمم المتحدة، ودعم دور الاتحاد الأفريقي ومنظمة آسيان، وإعادة النظر في تمثيل الدول النامية داخل المؤسسات المالية الدولية، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة والمشاركة في صناعة القرار.
من أهداف التنمية المستدامة إلى شراكة عالمية جديدة
وأكد المشاركون أن خطة التنمية المستدامة لعام 2030، التي اعتمدتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2015، مثلت إطارًا عالميًا لتحقيق السلام والازدهار والتنمية، إلا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطوير أدوات التنفيذ وآليات التعاون الدولي.
وشددت المناقشات على أهمية الربط بين الدولة والسوق والمجتمع، والانتقال من المساواة الشكلية إلى المساواة الحقيقية في فرص الوصول إلى التكنولوجيا والمعرفة.
وفي ختام المنتدى، برز توافق واسع حول مجموعة من المبادئ، أبرزها أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة للتنمية لا سببًا جديدًا للفجوة الرقمية، وأن مشاركة المعرفة أفضل من احتكارها، وأن بناء القدرات المحلية لا يقل أهمية عن امتلاك التكنولوجيا نفسها.
كما أكد المشاركون أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بقدرة الخوارزميات، وإنما بقدرة المجتمعات على وضع قواعد حوكمته، وحماية بياناتها، وتدريب كوادرها، وضمان أن تعكس النماذج المختلفة تنوع الحضارات والثقافات.
وفي هذا السياق، خلصت المناقشات إلى أن دول الجنوب العالمي مطالبة بالمشاركة الفاعلة في صياغة قواعد الذكاء الاصطناعي، وعدم الاكتفاء بدور المستخدم، بما يضمن بناء نظام تكنولوجي أكثر انفتاحًا وعدالة وقدرة على خدمة التنمية الإنسانية.
وفي تعبير يلخص جانبًا من روح المنتدى، أكد المشاركون أن نهر النيل الذي أسهم في صناعة الحضارة الإنسانية لا يمكن أن يُترك للذكاء الاصطناعي وحده، وإنما يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة في يد الإنسان لحماية الحضارة والموارد وبناء مستقبل أكثر عدالة للجميع.
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
- تحذير خطير من بيل جيتس: الـ AI قد يؤدي لوفاة مليار شخص
- رئيس الثروة المعدنية يبحث مع البنك الأوروبى لإعادة الإعمار التعاون وبناء القدرات
- ترامب يصف سوندار بيتشاي بـ«الوحش».. وموقف طريف يجمعه برؤساء شركات الذكاء الاصطناعي
- الأسهم الأوروبية ترتفع بدعم التكنولوجيا وترقب البيانات الاقتصادية
- أنثروبيك تحذر المستثمرين: الذكاء الاصطناعي قد يشكل خطرًا وجوديًا على البشرية






