هل مديرك مفلس؟

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل مديرك مفلس؟, اليوم الثلاثاء 6 يناير 2026 03:51 صباحاً


ليس كل إفلاس يقاس بالأرقام، فثمة إفلاس أكثر خطورة لا يظهر في القوائم المالية ولا تقارير المراجعة، لكنه يتسلل بهدوء إلى بيئات العمل، ويترك أثره العميق على الإنتاجية والابتكار؛ إنه الإفلاس الإداري، حين يتحول المدير من قائد محفز إلى عائق يكبت الأفكار ويصادر المبادرات.

في كثير من المؤسسات، لا تغيب الكفاءات ولا تنعدم المواهب، لكن الأفكار تموت في مهدها لا لضعفها، بل لأنها تصطدم بثقافة إدارية ترى في الإبداع تهديدا، وفي المبادرة مخاطرة، وفي الموظف المتميز خوفا من أن يسحب من تحته كرسي الإدارة ليس لأنه موظف متمكن بل لأنه المدير، شخص لا يثق بنفسه وبقدراته.

الدراسات العالمية لم تعد تترك هذا السلوك في خانة الانطباعات، حيث ذكرت دراسة منشورة في Journal of Business Research تؤكد أن القيادة السلطوية تخلق بيئة يسودها الخوف، وتؤدي إلى ما يعرف بـ«الصمت الدفاعي»، حيث يتجنب الموظفون طرح أفكارهم خشية التقليل أو المساءلة أو فقدان الثقة، النتيجة المباشرة هي تراجع الإبداع وتآكل روح المبادرة داخل المنظمة.

وتشير أبحاث أخرى منشورة في مجلة Behavioral Sciences إلى أن السلوكيات الإدارية السلبية، مثل التقليل من شأن الأفكار أو احتكار القرار، تضعف الثقة المتبادلة وتدفع الموظفين إلى إخفاء المعرفة بدل مشاركتها، وهو ما ينعكس سلبا على الابتكار المؤسسي.

الأخطر من ذلك أن بعض المديرين لا يكبتون الإبداع بدافع الحرص أو الانضباط، بل بدافع الخوف من أن يبرز موظف أكثر كفاءة، أو أن تفضح فكرة جديدة محدودية الرؤية، أو أن يصبح المنصب مهددا، وهنا يتحول المدير من صانع نجاح إلى حارس كرسي.

دراسة في Scandinavian Journal of Work and Organizational Psychology توضح أن بيئات العمل التي يغيب عنها الأمان الوظيفي والنفسي تقل فيها القدرة على توليد الأفكار الجديدة، إذ ينشغل الموظف بالحفاظ على موقعه بدل التفكير خارج الإطار، وهو ما يؤكد أن الإبداع لا يزدهر في بيئة الخوف، بل في بيئة الثقة.

في المقابل، تجمع الأدبيات الإدارية الحديثة على أن القيادة التحويلية، التي تقوم على الثقة والتمكين والتفويض، ترتبط بارتفاع مستويات الإبداع والالتزام الوظيفي. أيضا دراسات منشورة في مجلات مثل Sustainability وJournal of Management & Organization تؤكد أن القائد الواثق لا يخشى تفوق فريقه، بل يعتبره انعكاسا لنجاحه القيادي.

إذاً المدير الذي يحاصر الأفكار لا يحمي المؤسسة، بل يجمدها؛ والمدير الذي يخاف من إبداع موظفيه، يعترف ضمنيا بعدم ثقته في نفسه.

الحل لا يكمن في تغيير الموظفين، بل في إعادة تعريف القيادة، عبر تدريب القيادات على أساليب التمكين، وبناء بيئة أمان نفسي، وربط تقييم المديرين بقدرتهم على تطوير فرقهم لا السيطرة عليهم. فالمؤسسات التي تصنع قادة لا تخشى من بروز المواهب، بل تراهن عليها.

ويبقى السؤال مشروعا، لا بدافع الاتهام، بل بدافع الإصلاح:
هل مديرك مفلس... أم أن بيئة العمل لم تمنحه فرصة ليقود كما يجب؟

ALSHEDDI@

أخبار ذات صلة

0 تعليق