نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحياة في عالم تحكمه الخوارزميات, اليوم الأحد 14 يونيو 2026 11:13 مساءً
في العصر الرقمي الحديث تعد الخوارزميات سطورا من التعليمات البرمجية المخفية في خوادم الشركات التقنية، وتحولت إلى قوة مهيمنة تشكل واقعنا اليومي وتوجه خياراتنا، وتشكل الاقتراحات المفروضة علينا من المنصات الاجتماعية المختلفة وشركات التسويق للمنتجات ظاهرة تثير الدهشة والرعب، فهي ليست سحرا وإنما نتاج قدرة تنبؤية هائلة يمتلكها من يمتلك القدرة على بناء الخوارزميات.
تتسم خوارزميات الإنترنت بصفات «ميتافيزيقية» لا نراها، ولا نعرف ماهيتها بالضبط، ولكنها قادرة على التلاعب برغباتنا والتحكم بمصائرنا. والخوارزميات بتعريفها البسيط مجموعة من التعليمات أو القواعد التي يجب اتباعها خطوة بخطوة لحل مشكلة أو إكمال مهمة على الإنترنت، وتعمل عن طريق معالجة البيانات وتنفيذ مجموعة من التعليمات لأداء مهام محددة، مثل تحليل وتنظيم كميات هائلة من البيانات لتوفير خدمات مخصصة ونتائج بحث وتوصيات.
ولتبسيط المفهوم يمكن تشبيه الخوارزميات بمساعدين خاصين في مكتبة ضخمة يستخدمون رموزا سرية للبحث في محتوى الكتب ومساعدتنا في العثور على ما نبحث عنه بسرعة، هذا الدور البريء نسبيا شهد تحولا جذريا في مطلع الألفية الثالثة، ليصبح أداة قوية تتحكم في يومياتنا، ومع ذلك لا يمكن أن ننكر تغلغل الخوارزميات في أدق تفاصيل حياتنا اليومية، والتي يمكن رصد تأثيرها في عدة جوانب أساسية:
- صناعة القرار، تتدخل الخوارزميات في قراراتنا اليومية بدءا من اقتراح المحتوى الذي نشاهده أو نستمع إليه، واختيار أسرع الطرق للقيادة، وصولا إلى توجيه عمليات البحث الخاصة بنا.
- أنماط الاستهلاك، تقوم الخوارزميات بتحليل مشترياتنا السابقة لتوقع احتياجاتنا المستقبلية، مما يؤثر بشكل مباشر على توجهاتنا الاقتصادية وحتى حالتنا المزاجية.
- العمل والمؤسسات، تلعب الخوارزميات دورا حاسما في قيادة عمليات التوظيف، والتحكم في المعاملات البنكية، واتخاذ قرارات مالية ولوجستية دقيقة.
وفي عالم تحكمه الخوارزميات لا يقتصر تأثيرها على السلوك الخارجي وإنما يمتد إلى بنية العقل البشري ذاته من خلال توفير السيولة المعرفية، فقد أدى الاعتماد على الخوارزميات إلى انتقال المستخدمين من القراءة والتركيز العميق إلى التلقي السريع للمعلومات والمحتوى القصير.
كذلك سلب الانتباه، فقد صممت الخوارزميات هندسيا لإبقاء أعين المستخدمين مفتوحة أطول فترة ممكنة على الشاشات، مما يؤثر سلبا على الإنتاجية والقدرة على التأمل، وهنا يتراجع الإبداع عندما تتنبأ الآلة بخطواتنا باستمرار، فتقلص مساحة الصدفة والاكتشاف الحر في حياتنا.
ولفهم كيف تحولت الخوارزميات إلى قوة اقتصادية يجب العودة إلى عام 2001 بعد انفجار «فقاعة الدوت كوم»، كانت شركة غوغل تبحث عن طرق لتحقيق إيرادات مستدامة، ولاحظت الشركة أنه يمكنها استخدام البيانات الناتجة عن بحث الأشخاص وتصفحهم لتحسين محرك البحث، والأهم من ذلك اكتشافها وجود بيانات جانبية يتم إنتاجها من هذه العمليات، وهي بيانات لم يكن المستخدمون يعلمون أنهم يشاركونها، هذه البيانات الجانبية التي كانت تعتبر سابقا قمامة بيانات (Data Exhaust) وتخزن بشكل عشوائي أصبحت تعرف بالفائض السلوكي (Behavioral Surplus).
وأدركت الشركات الكبرى القيمة التنبؤية لهذه البيانات، فعندما تشارك منشورا لا يهم فقط محتوى المنشور بل توقيت النشر واستخدام علامات الترقيم وغيرها، وكل هذه التفاصيل تجمع وتحلل لإنتاج تنبؤات دقيقة حول سلوكك المستقبلي، وهو ما أصبح أساسا لسوق الإعلانات الموجهة، وهذا ما أشارت له «شوشانا زوبوف» في كتابها عصر رأسمالية المراقبة: الكفاح من أجل مستقبل إنساني على الحدود الجديدة للسلطة «هذا هو الفائض الذي يجمعونه بعد ذلك لقيمته التنبؤية، ويستفيدون منه لإنشاء منتجات التنبؤ تلك، وكل هذا يحدث من دون إذننا من دون علمنا، إنه يحدث بطريقة مصممة لتجاوز وعينا، يحدث بطريقة مصممة لإبقائنا جاهلين».
أدى استغلال الفائض السلوكي إلى ظهور ما تطلق عليه الباحثة شوشانا زوبوف مصطلح «رأسمالية المراقبة» (Surveillance Capitalism) وهو شكل جديد من أشكال الرأسمالية يحقق الربح من البيانات الشخصية المجمعة، من خلال مراقبة أنشطة الأفراد عبر الإنترنت، وتتعامل الشركات في هذا النموذج مع التجربة الإنسانية بكونها «مادة خاما» يتم ترجمتها إلى بيانات سلوكية، وتصف «شوشانا زوبوف» رأسمالية المراقبة بأنها «انقلاب من الأعلى» ليس انقلابا على السلطة السياسية، وإنما تمثل الإطاحة بسيادة الشعب، وأطلقت على هذا التحول اسم «الانقلاب المعرفي»، حيث تضع شركات التكنولوجيا يدها على المعرفة في المجتمع.
وفي حضارة المعلومات تعرّف المجتمعات من خلال أسئلة المعرفة: من يعرف؟ من يقرر من يعرف؟ ومن يقرر من يقرر من يعرف؟ ويمتلك رأسماليو المراقبة اليوم الإجابات عن هذه الأسئلة، مدعين سلطة تقرير من يعرف من خلال تأكيد حقوق الملكية على معلوماتنا الشخصية، هذا الانقلاب يهدد الحق في الخصوصية، حيث يحرم الأفراد بشكل متزايد من اختيار ما يبقى سرا عن حياتهم وما يريدون مشاركته.
ورغم التحديات والمخاطر لا يمكن إنكار الأدوار المهمة للخوارزميات بعد أن أصبحت ضرورية لاتخاذ القرارات في مختلف المجالات، فهي تقدم فوائد ملموسة من خلال تحسين تجربة المستخدم عبر تقديم توصيات شخصية تتوافق مع التفضيلات، وتبسيط عملية اتخاذ القرار وتوفير الوقت والجهد، وذلك لتحقيق الأثر الاقتصادي وزيادة المبيعات والتفاعل للشركات، ومع ذلك تواجه عملية صنع القرار الخوارزمي تحديا كبيرا يتمثل في التحيز (Bias)، فالخوارزميات قد ترث تحيزات من البيانات التاريخية التي تدربت عليها، مما يؤدي إلى استمرار عدم المساواة، ولمعالجة هذا التحدي يجب تبني الشفافية والمساءلة وضمان التمثيل المتنوع في فرق التطوير ومجموعات البيانات وتطبيق مقاييس الإنصاف والمراقبة المستمرة.
ختاما؛ نعيش في عالم تشكل فيه الخوارزميات واقعنا وتسلَّع فيه حياتنا الخاصة لصالح المراقبة، وللاستمتاع بفوائد هذا العصر الرقمي دون فقدان السيطرة على إرادتنا، يتطلب الأمر تبني نهج واع ومسؤول يبدأ ذلك بالمعرفة الخوارزمية أي إدراك أن هذه البرمجيات ليست محايدة بل تعكس تحيزات مبرمجيها وأهداف الشركات التي تملكها، كما يتطلب الأمر ممارسة التحكم والضبط من خلال تنويع مصادر الأخبار وتعطيل التتبع الآلي للبيانات متى كان ذلك ممكنا لحماية خصوصيتنا واستقلاليتنا في عصر الانقلاب المعرفي.

















0 تعليق