بعد انقطاع عن النشر استمر لعامين بسبب الحرب على قطاع غزة، عادت الكاتبة الفلسطينية الدكتورة إيمان الناطور المقيمة في القطاع، إلى القراء بروايتها الجديدة «اسمي شالوم»، الصادرة عن «مكتبة كل شيء» الحيفاوية.
وتختار الرواية القدس مسرحًا لحكاية مستقبلية تختبر معنى الإنسانية، من خلال طفل يهودي وطبيبة فلسطينية تجمعهما خسارات الحرب، ثم تنشأ بينهما علاقة أمومة تتحدى التعصب المحيط بهما.
ويمثل العمل الإصدار العاشر للكاتبة، بحسب المعلومات التعريفية المقدمة عن الرواية، ويقع في نحو ثلاثمائة صفحة أو يزيد.
شارك ضمن إصدارات الناشر في الدورة الأخيرة من معرض عمّان الدولي للكتاب، فيما تناولت تغطيات ثقافية عنوانه واختياره شخصية يهودية إسرائيلية في مركز الحكاية.
القدس في عالم متخيل عام 2051
ووفق الملخص التعريفي، تبدأ أحداث «اسمي شالوم» في عام 2051، داخل عالم أعلنت فيه الأمم المتحدة وحدة الدول، وتراجعت الحدود أمام حكومة عالمية موحدة. وفي هذه الحقبة، تتسع سيطرة الآلات على الحياة، ويستمر البشر في تصنيع الفيروسات القاتلة، بينما يُرفع شعار السلام العالمي دون أن ينجح في إنهاء العنف.
وتبقى القدس بؤرة التوتر في هذا النظام المتخيل؛ إذ تتنازع جماعات مختلفة السيطرة عليها، وتقاوم أطراف فيها اندماج المدينة في النظام الجديد، ومن هذه المفارقة تنطلق الحكاية: عالم يعلن وحدته، ومدينة مقدسة تعجز عن حماية أبنائها من الصراعات التي تتجدد باسم الهوية والانتماء.
داخل هذا المشهد يولد شالوم لأبوين يهوديين، ثم يفقد أمه في الثالثة من عمره نتيجة العنف الذي تشهده المدينة. وعلى الجانب الآخر، تفقد الطبيبة الفلسطينية أمل والدها، الكاتب المنحاز إلى العدالة والحب والسلام. وتجمع الخسارتان شخصيتين تبدوان، وفق التصنيفات السائدة في محيطهما، على طرفي الصراع.
أمومة تتحدى التعصب
تجد أمل، التي لم تنجب أطفالًا، في شالوم ابنًا، ويجد الطفل فيها عاطفة الأم التي فقدها. لكن العلاقة تتعرض لضغوط من جيران متشددين يرفضون رعايتها لطفل يهودي، ومن والده الذي يعاقبه باستمرار ويقاوم صلاته بأصدقائه الفلسطينيين.
وتنمو هذه الأمومة وسط دائرة من أصدقاء عرب ويهود يؤيدون العيش المشترك ووقف إراقة الدماء. ومع تقدم الحكاية، تتحول العلاقة بين الطبيبة والطفل إلى محور تتقاطع حوله مواقف الشخصيات، بين من يرى الانتماء الديني سببًا للعداء، ومن يجعل حماية الإنسان معيارًا للحكم على الآخرين.
وتتابع الرواية شالوم عبر طفولته ومراحل دراسته، وصولًا إلى الثامنة عشرة حين يصبح مطالبًا بالتجنيد الإجباري. وخلال هذه السنوات، تتسع مواجهته مع والده، الذي يعمل في موقع تنفيذي بالحكومة، ويستخدم نفوذه لإيذاء أصدقاء ابنه العرب وعائلاتهم من المسلمين والمسيحيين.
الصداقة في مواجهة الجرافة والدبابة
تضع الأحداث مواقف شالوم أمام اختبارات تتجاوز الحوارات عن السلام؛ فيقف بجسده أمام جرافة إسرائيلية تهدد مزرعة صديقه الفلسطيني عيسى، ويواجه دبابة تحاول اعتقال والد صديقه إبراهيم. وتعمق هذه المواقف خلافه مع أبيه، فيما يجد مساندة من جده الذي يحتضنه ويؤازر أمل.
ولا تنحصر أفعال الإنقاذ في البطل؛ إذ يتعرض إبراهيم للضرب والحجارة وهو يحاول تخليص شالوم من اعتداء متشددين عرب، ويحمي عيسى صديقه من محاولة طعن. وتمنح مشاهد الصداقة والاحتفال بالعيد في بيت أمل مساحة للحياة اليومية، في مقابل العنف الذي يلاحق أهل الحي.
وتدخل فرح، الفلسطينية التي نشأت مع شالوم منذ الطفولة، إلى الحكاية بوصفها حبيبته، قبل أن تتهدد حياتها الفيروسات المصنعة. وبذلك يتسع مصدر الخطر من الحرب المباشرة إلى توظيف المعرفة العلمية في القتل، في عالم متقدم تقنيًا لكنه لا يزال عاجزًا عن صون الحياة.
ومع إعلان الحكومة العالمية ضم القدس إلى النظام الموحد، تستقبل المساجد والكنائس والمعابد القرار باحتفالات السلام والإخاء. غير أن الحبكة تنعطف عند هذه اللحظة إلى مفاجأة صادمة، تعيد وضع آمال الشخصيات في العيش المشترك أمام امتحان جديد.
الأساطير المصرية وكتاب السر
إلى جانب المسار المستقبلي، تستحضر الناطور شخصيات من الأساطير المصرية القديمة، منها تحوت ورع وحورس وست، ضمن أحداث موازية تتصل بأرواح حارسة للمدينة وبـ«كتاب السر»، الذي تحاول شخصيات الحفاظ عليه عبر الحروب كي يصل إلى الأجيال التالية.
ويحضر تحوت في هذا البناء بوصفه رمزًا للحكمة، وتتداخل حكاية عين حورس مع الرؤية والمعرفة والتنبؤات. وهذه العناصر، كما يعرضها الملخص، جزء من التخييل الروائي الذي يصل الأزمنة القديمة بالمستقبل، ضمن مسار رمزي موازٍ للأحداث التي تشهدها القدس.
ويتيح هذا المزج وضع التقدم التقني إلى جوار سؤال أقدم عن الحكمة: كيف يمتلك الإنسان أدوات أكثر تطورًا، بينما يعيد إنتاج العنف الذي عرفته الأجيال السابقة؟ ويتصل البحث عن «كتاب السر» بمحاولة شخصيات الرواية الوصول إلى معرفة تساعدها على فهم عالمها ومقاومة الشر فيه.
عودة إلى النشر من غزة
تأتي «اسمي شالوم» ضمن مسار أدبي سبق أن تناولت فيه الناطور معاناة الفلسطينيين وقضايا المرأة والطفل والأسرى. ومن أعمالها «فلسطين كنعان» ومجموعتها القصصية «على صهوة الشمس». وفي حوار نشرته الجزيرة نت عام ٢٠٢٢، ربطت الكاتبة تجربتها بالانحياز إلى المظلومين ونبذ العنصرية والطائفية، والتعبير عن معاناة النساء والأطفال.
وفي إصدارها الجديد، تنقل الناطور هذه الأسئلة إلى مستقبل متخيل، وتختبرها من خلال شخصية تنشأ داخل بيئة معادية لأصدقائه الفلسطينيين ثم تختار الوقوف إلى جانبهم. وتعيد الرواية، عبر علاقة شالوم بأمل، طرح سؤال حماية الحياة حين تتعارض مع أوامر السلطة وضغوط الجماعة، في حكاية تخرج إلى القراء من غزة بعد انقطاع فرضته الحرب.
- اللجنة الملكية لشئون القدس: اقتحام الأقصى يقوض فرص السلام ويدفع المنطقة نحو التوتر
- ماذا يهمس التاريخ لواشنطن وطهران؟
- تقرير أمريكى: إسرائيل تتجاوز العقبة الأخيرة لبدء بناء مستوطنات من شأنها تقسيم الضفة
- بعد ثلاثة أعوام ونصف من اشتعالها، الأزمة السودانية إلى أين؟
- الأمم المتحدة: الحرب والجفاف يفاقمان خطر المجاعة في السودان






