قالت رشا السلاب الخبيرة الاقتصادية، إن القارة الأفريقية تمثل امتدادًا اقتصاديًا طبيعيًا لمصر، وأن التوسع داخل أسواقها يجب أن يكون جزءا أساسيا من الاستراتيجية المصرية للتنمية الصناعية والتجارية.
وأشارت في تصريحاتها إلى أن تنوع الأسواق الأفريقية من حيث مستويات الدخل والاحتياجات الاستهلاكية والهياكل الإنتاجية يوفر فرصًا كبيرة أمام الشركات المصرية، خاصة في الصناعات الغذائية والأدوية ومواد البناء والأسمدة والمنتجات الهندسية والكهربائية والملابس الجاهزة والخدمات الفنية.
وأكدت أن دخول الأسواق الأفريقية يتطلب تغييرًا جوهريًا في طريقة التفكير التصديري، بحيث تبدأ الشركات بدراسة احتياجات الأسواق المستهدفة، ثم تحديد المنتجات والمواصفات والأسعار المناسبة لكل سوق، بدلًا من إنتاج السلع أولًا والبحث لاحقًا عن أسواق لتصريفها.
وأضافت أن التوسع التصديري الناجح يستلزم دراسة المنافسة والقدرة الشرائية للمستهلكين وشبكات التوزيع والرسوم الجمركية ومتطلبات التسجيل والمطابقة الفنية، فضلًا عن تكاليف الشحن والتأمين.
ودعت إلى الانتقال من مفهوم التصدير التقليدي إلى بناء شراكات إنتاجية وتجارية مستدامة مع الشركات الأفريقية، من خلال إنشاء مراكز توزيع إقليمية ومستودعات للمنتجات المصرية ومكاتب تجارية متخصصة، إلى جانب مشروعات تصنيع وتجميع مشتركة في الأسواق التي تسمح ظروفها الاقتصادية والتشريعية بذلك.
وأكدت أن هذه الخطوة من شأنها تحويل العلاقات الاقتصادية من مجرد عمليات بيع وشراء إلى شراكات طويلة الأجل تقوم على المصالح المشتركة وتعزيز سلاسل القيمة الإقليمية.
التجارة الحرة الأفريقية بوابة لتعزيز الصادرات المصرية
وقالت السلاب إن اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية تمثل فرصة اقتصادية مهمة لمصر، في ضوء استهدافها تعزيز التجارة البينية وإزالة جانب من الحواجز التجارية وتوسيع فرص النفاذ إلى الأسواق.
وأوضحت أن الاستفادة الفعلية من الاتفاقية تتطلب أكثر من مجرد تخفيض الرسوم الجمركية، إذ تحتاج الشركات المصرية إلى معرفة دقيقة بقواعد المنشأ والمواصفات الفنية وإجراءات التخليص الجمركي وآليات تسوية المنازعات وشروط النفاذ إلى كل سوق.
وأشارت إلى أن وجود اتفاقية تجارية لا يعني بالضرورة سهولة دخول جميع المنتجات، في ظل استمرار تحديات النقل والتوزيع والتمويل والمنافسة واختلاف القواعد التنظيمية بين الدول.
واقترحت إنشاء منصة معلومات تصديرية متكاملة توفر للشركات المصرية بيانات محدثة عن الفرص التجارية والاستثمارية في أفريقيا، بما يساعدها على اتخاذ قرارات مدروسة بشأن التوسع الخارجي.
كما دعت إلى دعم إنشاء تحالفات تصديرية بين الشركات الصغيرة والمتوسطة، بما يمكنها من المشاركة في المعارض الدولية، والتعاقد مع موزعين محليين، وتقاسم تكاليف النقل والتسويق، وتعزيز قدرتها على المنافسة.
قناة السويس والمواني المصرية ركيزة للتوسع الأفريقي
وأكدت الخبيرة الاقتصادية أن مصر تمتلك ميزة تنافسية مهمة تتمثل في موقعها الجغرافي وشبكة موانئها البحرية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وما يرتبط بها من مناطق صناعية ولوجستية.
وأوضحت أن هذه المقومات يمكن تحويلها إلى أدوات فعالة لدعم الصناعة والتصدير، من خلال تحقيق التكامل بين الإنتاج الصناعي وخدمات النقل والتخزين والتوزيع.
وقالت إن الميناء في المفهوم الاقتصادي الحديث لم يعد مجرد نقطة لاستقبال السفن وتداول الحاويات، وإنما أصبح مركزًا متكاملًا للخدمات الصناعية واللوجستية والتجارية.
ودعت إلى التوسع في إنشاء مناطق صناعية موجهة للتصدير بالقرب من المواني، وربطها بشبكات نقل فعالة، مع توفير خدمات التخزين والتعبئة وإعادة التصدير.
كما اقترحت دراسة إنشاء خطوط شحن منتظمة تربط المواني المصرية بالمواني الأفريقية ذات الأولوية التجارية، مع تقييم الجدوى الاقتصادية لهذه الخطوط وفقًا لحجم الطلب والتبادل التجاري المتوقع.
وأكدت أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس قادرة على القيام بدور محوري في جذب الصناعات الموجهة للأسواق الأفريقية والأوروبية والآسيوية، بما يعزز موقع مصر داخل سلاسل الإمداد العالمية.
تمويل الصادرات وضمان مخاطر التجارة الخارجية
وأشارت السلاب إلى أن التمويل يمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في قدرة الشركات المصرية على التوسع بالأسواق الخارجية، موضحة أن امتلاك منتج جيد بسعر تنافسي قد لا يكون كافيًا لدخول أسواق جديدة إذا لم تتوافر السيولة اللازمة لتمويل الإنتاج والشحن والتخزين وفترات التحصيل.
وأضافت أن التعامل مع بعض الأسواق الخارجية قد ينطوي على مخاطر مرتبطة بتقلب أسعار الصرف وتأخر المدفوعات واختلاف النظم المصرفية.
وشددت على ضرورة التوسع في أدوات ضمان ائتمان الصادرات، وتوفير برامج تمويل مناسبة للمصدرين ترتبط بالعقود التصديرية الفعلية، بما يحد من المخاطر ويعزز قدرة الشركات على تنفيذ التزاماتها.
واقترحت تعزيز التعاون مع المؤسسات التمويلية الأفريقية وبنوك التنمية الإقليمية، وتطوير آليات الدفع والتسوية التجارية لخفض تكلفة المعاملات والحد من مخاطر عدم السداد.
وأكدت ضرورة إتاحة هذه الأدوات للشركات الصغيرة والمتوسطة، وليس فقط للشركات الكبرى، باعتبار أن توسيع قاعدة المصدرين يمثل هدفًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن زيادة القيمة الإجمالية للصادرات.
بناء الإنسان وربط التعليم باحتياجات الصناعة
وأكدت السلاب أن الربط بين بناء الإنسان والتنمية الاقتصادية يمثل إحدى أهم نقاط القوة في فلسفة منتدى مصر 2026، مشيرة إلى أن أي توسع صناعي أو استثماري لن يحقق كامل عوائده دون وجود عمالة مؤهلة تمتلك المهارات المطلوبة.
وأوضحت أن الاقتصاد الصناعي الحديث يحتاج إلى مهندسين وفنيين ومتخصصين في التكنولوجيا وإدارة الإنتاج والجودة والتسويق الدولي والخدمات اللوجستية.
وشددت على أن تطوير التعليم الفني والتكنولوجي وربطه باحتياجات المصانع أصبح ضرورة اقتصادية، وليس مجرد ملف تعليمي.
كما دعت إلى التوسع في الشراكات بين الجامعات ومراكز البحث العلمي والقطاع الصناعي، بهدف تحويل نتائج البحوث والابتكارات إلى تطبيقات إنتاجية قابلة للتسويق.
وأكدت أهمية تدريب الشباب على مهارات التصدير والتجارة الدولية ودراسة الأسواق الأفريقية واللغات الأجنبية وإدارة سلاسل الإمداد، معتبرة أن الاستثمار في رأس المال البشري من أكثر الاستثمارات قدرة على رفع الإنتاجية وتحسين تنافسية الاقتصاد على المدى الطويل.
مشاركة المواطنين تعزز كفاءة السياسات الاقتصادية
وقالت الخبيرة الاقتصادية إن مشاركة المواطنين في منتدى مصر 2026 تمثل فرصة مهمة لربط القرارات الاقتصادية بالواقع اليومي للأسر والمشروعات.
وأوضحت أن أصحاب المصانع يمكنهم عرض العقبات التي تواجه الإنتاج، فيما يستطيع المصدرون توضيح مشكلات النفاذ إلى الأسواق، والعمال التعبير عن احتياجاتهم التدريبية، والمواطنون مناقشة تأثير الأسعار ومستويات الدخل وجودة الخدمات على حياتهم اليومية.
وأضافت أن هذه المشاركة تسهم في اكتشاف فجوات التنفيذ التي قد لا تظهر بصورة كاملة في المؤشرات الاقتصادية العامة.
وأكدت أن السؤال الأهم الذي يجب أن تتناوله المناقشات يتمثل في كيفية تحويل النمو الاقتصادي إلى تحسن ملموس في مستوى معيشة المواطن.
وشددت على أن زيادة الصادرات والاستثمارات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لزيادة الدخل القومي، وخلق فرص العمل، وتحسين الأجور، وتعزيز قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة.
وأشارت إلى أن تحقيق النمو المستدام يتطلب التوازن بين دعم النشاط الإنتاجي والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، مع تعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تأثرًا بالضغوط الاقتصادية.
البرنامج الاقتصادي 2027-2030 وأولويات التحول الإنتاجي
وأوضحت السلاب أن مناقشات منتدى مصر 2026 تكتسب أهمية إضافية في ضوء التحضير لملامح البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي للفترة من 2027 إلى 2030.
وأشارت إلى أن ورشة العمل التحضيرية التي نظمها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، في 7 أكتوبر 2026، تناولت عددًا من الأولويات المرتبطة بزيادة الإنتاجية وتعزيز التنافسية وتوسيع دور القطاع الخاص، وربط الحوافز الاستثمارية بمستهدفات تصديرية واضحة، إلى جانب معالجة تحديات الدين والطاقة والنقد الأجنبي.
وأكدت أن أي برنامج اقتصادي جديد يجب أن يرتكز على زيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية في النمو، وتعميق التصنيع المحلي، وتوجيه الاستثمارات نحو الأنشطة الأعلى قيمة مضافة، وتعزيز استقرار السياسات المالية والنقدية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
ودعت إلى وضع رؤية واضحة لتوسيع الأسواق التصديرية، خاصة في أفريقيا، مع ربط الحوافز المقدمة للمستثمرين بمؤشرات أداء قابلة للقياس، تشمل حجم الإنتاج الفعلي، ونسبة المكون المحلي، وقيمة الصادرات، وعدد فرص العمل المستحدثة.
وشددت على أن نجاح هذه السياسات يتطلب تحديد المسؤوليات التنفيذية والجداول الزمنية ومصادر التمويل وآليات المتابعة والتقييم، لضمان الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي.
انعكاسات الصناعة والتصدير على التضخم وسعر الصرف
وأكدت السلاب أن التوسع في الصناعة والاستثمار والتصدير يمكن أن ينعكس إيجابيًا على عدد من المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، بشرط تنفيذه في إطار سياسات متكاملة.
وأوضحت أن زيادة الصادرات تسهم في توفير موارد إضافية من النقد الأجنبي، بما يدعم قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الخارجية، ويساعد في تخفيف بعض الضغوط المرتبطة بالميزان التجاري وسوق الصرف.
وأضافت أن زيادة الإنتاج المحلي يمكن أن تسهم في تحسين توافر السلع وتقليل الاعتماد على بعض الواردات، وهو ما قد يحد من الضغوط التضخمية المرتبطة بتكاليف الاستيراد.
واستدركت أن زيادة الإنتاج لا تعني بالضرورة انخفاض الأسعار بصورة تلقائية، لأن معدلات التضخم تتأثر بعوامل متعددة، تشمل السياسة النقدية وتكاليف الطاقة وسعر الصرف ومستويات الطلب وتكاليف النقل والتوزيع.
وأشارت إلى أن زيادة الاستثمارات الصناعية يمكن أن تخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتدعم نمو الدخول، بشرط توافر العمالة المؤهلة وارتباط زيادة الأجور بتحسن الإنتاجية.
وأكدت أن الأثر الحقيقي لهذه السياسات على المواطن يجب قياسه بمدى تحسن دخله الحقيقي وقوته الشرائية وفرص حصوله على عمل منتج ومستقر، وليس فقط من خلال تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية.
تحويل التوصيات إلى نتائج ملموسة معيار نجاح المنتدى
واختتمت رشا السيد محمد السلاب، الخبيرة الاقتصادية، رؤيتها بالتأكيد على أن منتدى مصر 2026 يمثل فرصة لصياغة رؤية اقتصادية أكثر ارتباطًا باحتياجات المجتمع، وأكثر تركيزًا على الإنتاج والاستثمار والتصدير.
وأوضحت أن مصر تمتلك العديد من المقومات التي تؤهلها لتعزيز دورها الاقتصادي داخل أفريقيا، إلا أن تحويل هذه المقومات إلى نتائج ملموسة يتطلب تخطيطًا متكاملًا وسياسات مستقرة ومشاركة فعالة من القطاع الخاص، إلى جانب المتابعة المستمرة للتنفيذ.
وأكدت أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في وضع أهداف اقتصادية طموحة، وإنما في تحديد الأدوات والموارد والجداول الزمنية اللازمة لتحقيقها.
وشددت على أن مستقبل الاقتصاد المصري يجب أن يرتكز على تعظيم القيمة المضافة المحلية، وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات المصرية، وتوسيع قاعدة المصدرين، وفتح أسواق جديدة أمام الشركات الوطنية.
وأضافت أن أفريقيا يجب أن تكون جزءًا رئيسيًا من هذا التوجه، باعتبارها شريكًا اقتصاديًا وتنمويًا يمكن من خلاله بناء علاقات تجارية وصناعية واستثمارية طويلة الأجل تحقق المصالح المشتركة.
وأكدت أن نجاح منتدى مصر 2026 لن يقاس فقط بحجم المشاركة المجتمعية أو عدد المقترحات المطروحة، وإنما بقدرته على تحويل هذه المقترحات إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ومصانع منتجة، واستثمارات حقيقية، وصادرات متنامية، وفرص عمل مستدامة، وتحسن ملموس في حياة المواطن المصري.
واختتمت السلاب بالتأكيد على أن التنمية الاقتصادية الحقيقية تبدأ بالإنسان، وتتحقق بالإنتاج، وتستمر بالاستثمار، وتتوسع بالتصدير، وتكتمل عندما يشعر المواطن بعوائدها في مستوى معيشته ومستقبل أبنائه.
وأعربت عن تطلعها إلى أن تشكل مناقشات منتدى مصر 2026 خطوة عملية نحو بناء اقتصاد مصري أكثر إنتاجية وتنافسية واستدامة، وأكثر قدرة على الاستفادة من الفرص المتاحة داخل القارة الأفريقية والأسواق العالمية.
- رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقى يبحث تعزيز الشراكة مع منظمة التعاون الاقتصادى
- 4 مقترحات لتعزيز التكامل التأميني في أفريقيا.. مظلة وقاعدة بيانات مشتركة
- البنك الدولي يرفع توقعات نمو اقتصاد أفريقيا لعام 2026
- النائب إسلام التلوانى: إشراك المغتربين الأفارقة فى التنمية بالقارة ضرورة ملحة
- نائب: منتدى العلمين أفريقيا للأعمال يفتح الطريق لشراكات استثمارية عابرة للحدود






