أكد الدكتور محمود محيي الدين، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة والمكلف من أمين عام الأمم المتحدة برئاسة فريق الخبراء لتقديم حلول لأزمة الدين العالمية، أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة يتطلب تغييراً جوهرياً في طريقة التعامل مع التمويل والاستثمار والتنمية، مشيراً إلى أن أفريقيا تمتلك إمكانات ضخمة للنمو، لكنها تحتاج إلى تحويل هذه الإمكانات إلى استثمارات منتجة في رأس المال البشري والبنية التحتية والتكنولوجيا والقطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
منتدى العلمين
وأوضح محيي الدين، خلال مشاركته في فعاليات منتدى العلمين - أفريقيا للأعمال، أن نحو 36% فقط من أهداف التنمية المستدامة تسير حالياً على المسار الصحيح أو تحقق تقدماً، وهو ما يعكس الحاجة إلى تسريع وتيرة العمل وتعبئة الموارد بشكل أكبر، لافتاً إلى أن أفريقيا، رغم امتلاكها قاعدة سكانية شابة، لا تزال حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في حدود 3%، بينما تبلغ مساهمتها في التصنيع العالمي نحو 2%، وفي الصناعات عالية التكنولوجيا أقل من 1%.
وأشار محيي الدين إلى أن متوسط عمر السكان في أفريقيا يبلغ نحو 19 عاماً، مقارنة بنحو 28 عاماً في الهند و39 عاماً في الصين و42 عاماً في أوروبا، مؤكداً أن هذه التركيبة السكانية يمكن أن تمثل ميزة تنافسية هائلة إذا اقترنت بالاستثمار في التعليم والمهارات وفرص العمل، وبالتوسع في التصنيع والخدمات والزراعة ذات القيمة المضافة والصناعات الاستخراجية.
وأضاف أن أفريقيا حققت متوسط نمو بلغ نحو 4.6% خلال الفترة 2003–2017، مقابل 9.4% للصين و7% للهند، مشدداً على أن التحول الاقتصادي والتنمية المستدامة في القارة يتطلبان الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة، تصل إلى نحو 7% سنوياً لفترة طويلة، إلى جانب تحسين نوعية هذا النمو وقدرته على خلق الوظائف وزيادة الإنتاجية.
وفيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر، أوضح أن نصيب أفريقيا لا يزال أقل من 4% من التدفقات العالمية، رغم الفرص الكبيرة التي توفرها القارة، مؤكداً أن جذب الاستثمارات يتطلب سياسات اقتصادية وتشريعية مستقرة، وتيسير دخول وخروج المستثمرين، وتحسين بيئة الأعمال، وضمان سيادة القانون والحوكمة والاستقرار المالي والنقدي، إلى جانب وضوح نماذج الأعمال واحتياجات التمويل ورأس المال العامل.
وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة رأس المال يمثل أحد أبرز العوائق أمام التنمية في أفريقيا، رغم أن معدلات التعثر السنوية في القارة تقل عن 4% ومعدلات استرداد الأموال تتجاوز 70% في بعض الحالات، موضحاً أن تكلفة تمويل المشروعات قد تصل إلى أربعة أو خمسة أضعاف مثيلتها في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فيما تستهلك فوائد الديون نحو 25% من الإيرادات الحكومية الأفريقية، وهو ما يحد من قدرة الحكومات على الإنفاق على التنمية.
راس المال
وشدد محيي الدين على أهمية تعبئة رأس المال المحلي، موضحاً أن أسواق المال المحلية في أفريقيا تمتلك أصولاً تتجاوز 4 تريليونات دولار يمكن توجيه جزء منها إلى تمويل أهداف التنمية المستدامة والعمل المناخي، بالتوازي مع تعزيز تعبئة الموارد المحلية من خلال الضرائب وغيرها، خاصة في ظل تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية. وفي هذا السياق، أشار إلى أن تمويل البنية التحتية في أفريقيا يعتمد حالياً على الحكومات بنحو 41%، وشركاء التنمية بنحو 48%، بينما لا تتجاوز مساهمة القطاع الخاص 11%.
وفي مجال التجارة، لفت إلى أن التجارة البينية الأفريقية لا تزال في حدود 14%، مؤكداً ضرورة زيادة التجارة في السلع ذات القيمة المضافة بدلاً من الاقتصار على تصدير المواد الخام، والاستفادة بصورة أكبر من اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية في خلق الوظائف، والحد من الفقر، وتعزيز الرخاء المشترك.
فرص الذكاء الاصطناعي
وتناول محيي الدين كذلك فرص وتحديات الذكاء الاصطناعي في أفريقيا، موضحاً أن طبيعة التحدي تختلف عن الاقتصادات المتقدمة، حيث إن التعرض لأتمتة الوظائف في الاقتصادات المتقدمة يقدر بنحو ثلاثة أضعاف مثيله في أفريقيا. وأكد أن مكاسب الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية والكفاءة وتعزيز قدرات العاملين يمكن أن تفوق آثاره السلبية، شريطة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والمهارات والقدرات البشرية.
وأشار إلى تصنيفات دولية لجاهزية الذكاء الاصطناعي تضع مصر وجنوب أفريقيا وموريشيوس وكينيا ونيجيريا في صدارة الدول الأفريقية، مع مجموعة أخرى من الدول التي تحقق تقدماً ملحوظاً.
وأكد أن توفير البنية التحتية الأساسية يمثل شرطاً لا غنى عنه لتحقيق هذه الطموحات، لافتاً إلى أن أكثر من 600 مليون أفريقي لا يحصلون على الكهرباء، وأن تطوير شبكات الكهرباء والاتصال والإنترنت يمثل أساساً للاستفادة من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
ودعا في الوقت نفسه إلى تجنب الاستثمار في بنية تحتية تكنولوجية متقادمة، ووضع أطر تنظيمية تراعي استهلاك الطاقة والمياه والأبعاد البيئية لمراكز البيانات، بما يسمح للقارة باستخدام مواردها من الطاقة والمياه والمواد الخام والكوادر البشرية لتعزيز موقعها في سلاسل القيمة الجديدة للذكاء الاصطناعي.
تمويل التنمية
وشدد محيي الدين على ضرورة الانتقال من التعامل مع تمويل التنمية باعتباره مجموعة من الصفقات أو المشروعات المنفصلة إلى منظومة تمويل متكاملة تجمع بين التمويل العام والخاص، والموارد المحلية والخارجية، والتجارة، وإدارة الدين، والعلوم والتكنولوجيا والابتكار، مع اختيار أداة التمويل المناسبة لطبيعة كل مشروع؛ فالخدمات العامة الأساسية قد تحتاج إلى التمويل الحكومي، بينما يمكن أن تقوم مشروعات مثل مراكز البيانات على شراكات بين القطاعين العام والخاص، في حين يمكن للقطاع الخاص قيادة مشروعات التصنيع متى توافرت بيئة استثمارية مستقرة وقابلة للتنبؤ.
واختتم مشاركته قائلاً إن أفريقيا تمتلك فرصة تاريخية للاستفادة من التحولات الاقتصادية والتكنولوجية الجارية، مؤكداً أن القارة فقدت فرصاً خلال الثورات الصناعية في العقود الماضية، ويجب ألا تفوت الفرص القوية أمامها الآن للمشاركة.
- نائب: منتدى العلمين أفريقيا يرسخ دور مصر فى تحويل الطموحات لمشروعات عابرة للحدود
- مصر تحتفي بشباب أفريقيا المبتكر، ختام النسخة الثالثة من مسابقة الذكاء الاصطناعي والروبوتات (صور)
- محمود محيى الدين: التمويل المناخى غير كافٍ وغير كفء وغير عادل
- أنثروبيك تحذر المستثمرين: الذكاء الاصطناعي قد يشكل خطرًا وجوديًا على البشرية
- أنثروبيك تقترب من أكبر طرح عام في التاريخ.. وخسائرها تثير التساؤلات






