الأرصاد تكشف أسرار الاستمطار الصناعى ودوره فى مواجهة ندرة المياه

دوت مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تسعى العديد من الدول إلى الاستفادة من تقنية الاستمطار الصناعى لزيادة فرص هطول الأمطار من السحب الموجودة بالفعل، وذلك فى محاولة لتعزيز الموارد المائية ومواجهة تحديات ندرة المياه إلا أن هذه التقنية لا تعنى القدرة على تكوين المطر من العدم وإنما تعتمد على تحفيز السحب المناسبة على الهطول.

 

وتتطلب عملية الاستمطار توافر مجموعة من الشروط الجوية في مقدمتها وجود سحب مناسبة تحتوي على قدر كاف من الرطوبة ، إلى جانب ظروف ملائمة من حيث درجة الحرارة وحركة الهواء ، فضلا عن اختيار التوقيت والمكان المناسبين لتلقيح السحب بما يرفع فرص نجاح العملية.

 

الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي يدعمان الاستمطار

 

وتفتح التطورات المتلاحقة في علوم الأرصاد آفاقا جديدة أمام الاستمطار مع توظيف الأقمار الصناعية والرادارات والذكاء الاصطناعي في رصد السحب وتحليل خصائصها وتتبع حركتها، بما يساعد على اختيار السحب الأكثر ملاءمة وتحديد أفضل توقيت لعملية التلقيح.

 

وفي هذا الإطار .. أجرت وكالة أنباء الشرق الأوسط حوارا مع الدكتورة منار غانم المتنبئ الجوي بمركز التنبؤات والإنذار المبكر بالهيئة العامة للأرصاد الجوية لمعرفة ماهية الاستمطار الصناعي وشروط نجاحه ومدى إمكانية الاستفادة منه في مصر ودور الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية في تطوير هذه التقنية.

 

ما هو الاستمطار الصناعي؟

 

وفي بداية الحوار .. قدمت الدكتورة منار غانم تعريفا للاستمطار الصناعي بأنه عبارة عن عملية حث وتحفيز للسحب الموجودة بالفعل على تساقط الأمطار؛ بهدف زيادة معدلات الهطول منها .. قائلة : "إن الاستمطار لا يعني تكوين الأمطار من العدم وإنما يعتمد على وجود سحب تحتوي على كمية كافية من الرطوبة ثم تحفيزها باستخدام مواد معينة تعمل كنواة لتكثف قطرات المياه بما يساعد على نموها وسقوطها في صورة أمطار".

 

وأفادت غانم، بأن عملية الاستمطار تنفذ من خلال طائرات تقوم برش المواد المناسبة داخل السحب، أو باستخدام بعض المولدات الأرضية التي تعمل على تأيين السحب (تقنية يقصد بها التأثير في الخصائص الكهربائية للسحب).

 

وحول الشروط الجوية اللازمة لنجاح الاستمطار.. أجابت الدكتورة منار غانم بأنه يجب توافر عدد من الظروف الجوية المناسبة في مقدمتها وجود سحابة قابلة للاستجابة لعملية الاستمطار، وأن تكون في مرحلة النمو وليس الاضمحلال، كما يجب أن تحتوي على كمية كافية من المياه وبخار الماء مع توافر درجات حرارة مناسبة وتيارات هوائية صاعدة وبيئة ملائمة لنمو قطرات المياه وهطول الأمطار.

 

وقالت: يجب كذلك اختيار المكان المناسب لإجراء العملية، فلا يمكن تنفيذ الاستمطار في منطقة جافة لا تتوافر فيها الظروف الجوية اللازمة؛ ولذلك فإن اختيار السحابة والمكان والتوقيت المناسبين يعد من أهم عوامل نجاح عملية الاستمطار.

 

وأشارت إلى أن أشهر المواد المستخدمة في عمليات الاستمطار تتمثل في يوديد الفضة (وهو عبارة عن مركب كميائي وعامل أساسي في تكوين نوى الجليد داخل السحب الباردة) إلى جانب بعض أنواع الأملاح، كما يمكن استخدام مواد أخرى في بعض التجارب مثل الثلج الجاف(وهو ثاني أكسيد الكربون في حالته الصلبة) كما تستخدم بعض التقنيات الأخرى مثل المولدات الأرضية التي تعمل على تأيين السحب ؛ بغرض تحفيز السحب لهطول الأمطار.

 

تجارب الإمارات والسعودية والصين في الاستمطار

 

وفيما يتعلق بتجارب بعض الدول في هذا المجال ..أجابت غانم بأن العديد من الدول ومن بينها الإمارات والسعودية وبعض الدول الأوروبية والآسيوية أجرت تجارب للاستـمطار وأظهرت أنه يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتعزيز هطول الأمطار في الظروف المناسبة إلا أن درجة النجاح تختلف من دولة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى بل ومن سحابة إلى أخرى، وفقا للظروف الجوية وطبيعة المكان ومدى ملاءمة السحابة للعملية.

 

وأشارت إلى أن الإمارات بدأت عمليات الاستمطار عام 1990 وطورت برنامجا بحثيا وتشغيليا متقدما ، أما السعودية فيوجد لديها برنامج إقليمي للاستمطار بينما يوجد لدى الولايات المتحدة برامج للاستمطار في عدد من الولايات لمواجهة الجفاف وزيادة الثلوج والأمطار.

 

وقالت: إن الصين لديها أيضا برامج في تعديل الطقس، وتايلاند لديها خبرة طويلة في مجال الاستمطار بالإضافة إلى دول أستراليا وجنوب أفريقيا وماليزيا وإندونيسيا.. مؤكدة أنه لا توجد نتائج علمية يمكن اعتبارها ضمانا بنسبة 100% لنجاح الاستمطار في جميع الظروف؛ ولذلك فإن فاعليته ترتبط بشكل أساسي بحسن اختيار السحابة وتوافر الظروف الجوية المناسبة.

 

وعما إذا كانت هناك آثار بيئية أو مخاطر ناجمة عن المواد المستخدمة في الاستمطار؟.. أجابت غانم بأن المواد المستخدمة في عمليات الاستمطار مثل يوديد الفضة والأملاح والثلج الجاف، تُستخدم عادة بكميات ونسب صغيرة جدا ، ولا توجد أدلة علمية تشير إلى وجود أضرار بيئية كبيرة عند استخدامها بالكميات والمعايير المقررة.

 

وقالت: إن استخدام أي مادة بكميات غير مناسبة أو خارج المعايير المحددة قد يؤدي إلى آثار غير مرغوبة، ولذلك يجب الالتزام بالضوابط والكميات المقررة خلال عمليات الاستمطار.. لافتة إلى أن عملية الاستمطار نفسها قد يكون لها تأثير محدود على توزيع أو معدلات هطول الأمطار في بعض المناطق والأنظمة البيئية المحلية، إلا أن ذلك لا يعني وجود أضرار بيئية كبيرة مثبتة عند تنفيذ العملية وفق المعايير العلمية.

 

وحول كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية في تحسين عمليات الاستمطار؟.. أجابت غانم بأن الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية يمكن أن يسهما بشكل كبير في تحسين عمليات الاستمطار ورفع فرص نجاحها، من خلال المساعدة في اختيار السحب المناسبة وتحديد المكان والتوقيت الأفضل لتنفيذ العملية.

 

وقالت: إن صور الأقمار الصناعية، توفر معلومات مهمة عن خصائص السحب وكمية بخار الماء الموجودة بها إلى جانب إمكانية تتبع حركة السحب وتطورها فيما تساعد النماذج العددية للطقس والذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات الطقس وصور الأقمار الصناعية، ودراسة مدى قابلية السحابة للاستـمطار، وتحديد أفضل توقيت لتنفيذ العملية، فضلا عن إمكانية التنبؤ بتطور السحب خلال الساعات التالية واحتمالات هطول الأمطار وكمياتها.

 

ونوهت بأن دمج الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية والنماذج العددية يمكن أن يمثل أداة مهمة في تطوير عمليات الاستمطار وتحسين اختيار السحب والتنبؤ بتطورها وتحديد التوقيت المناسب للتدخل.

 

وردا على سؤال يراود قاعدة عريضة من الجماهير هل يمكن تطبيق الاستمطار في مصر؟ .. أجابت غانم: من الناحية العلمية، يمكن تطبيقه في مصر لكن ذلك يتطلب اختيار المناطق التي تتوافر فيها الظروف الجوية المناسبة وأيضا السحب والرطوبة والعوامل اللازمة لهطول الأمطار.

 

وقالت: "توجد في مصر بعض المناطق التي قد تتوافر فيها ظروف مناسبة لإجراء عمليات الاستمطار، إلا أن الأمر يحتاج إلى دراسة جدوى شاملة للمشروع، وتحديد المناطق المناسبة، ومدى إمكانية الاستفادة من كميات الأمطار الناتجة عن العملية".

 

وأضافت: "أن الاستمطار يعد من المشروعات التي تحتاج إلى تكاليف مادية ؛ ولذلك يجب دراسة جدواه اقتصاديا وبيئيا وعلميا، إلى جانب بحث كيفية الاستفادة من مياه الأمطار التي يمكن أن تنتج عن العملية والبنية التحتية اللازمة لتجميعها والاستفادة منها"..مشيرة إلى أنه جرى خلال الفترة الماضية بحث جدوى مشروع الاستمطار في مصر.

 

وعما إذا كان الاستمطار حلا لمواجهة ندرة المياه مستقبلا؟.. أجابت غانم: لا يمكن اعتبار الاستمطار حلا وحيدا أو منفردا لمواجهة ندرة المياه، وإنما يمكن أن يكون أحد الأدوات المساعدة ضمن منظومة متكاملة لإدارة الموارد المائية مستقبلا.

 

وقالت: إن مواجهة ندرة المياه تتطلب العمل على مجموعة من المحاور من بينها تحسين كفاءة استخدام المياه، ومعالجة وتحلية مياه البحر، وتقليل الفاقد، وحماية الموارد المائية، والاستفادة من مياه الأمطار في بعض الاستخدامات إلى جانب تطوير تقنيات الري.

 

وشددت على أنه قبل تنفيذ مشروعات الاستمطار يجب إجراء دراسات جدوى اقتصادية وبيئية وعلمية، لأن الاستفادة من الأمطار الناتجة تتطلب وجود البنية التحتية اللازمة لتجميعها واستخدامها، فضلا عن مقارنة تكاليف المشروع ببدائل أخرى مثل تحلية المياه.

 

ويظل الاستمطار الصناعي تقنية واعدة لتوظيف علوم الأرصاد في دعم الموارد المائية ، خاصة مع تحديات تغير المناخ ؛ إلا أن نجاحه يرتبط بتوافر السحب والظروف الجوية المناسبة ودقة الرصد والتنبؤ بما يعزز فرص الاستفادة منه مستقبلا.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق