بملامح رسمت أشعة الشمس وتضاريس الجبال تفاصيلها على وجوههم، يخوض عشرات العمال في صعيد مصر رحلة يومية شاقة لكسب الرزق، وسط مشهد تتراص فيه أكوام البلح الذهبي والداكن فوق الرمال، في انتظار أن تمنحه الشمس ما يحتاج إليه من جفاف ليصبح جاهزًا للتخزين والتداول في الأسواق.
هنا، في منطقة «جبل القصر» التابعة لقرية المصالحة بالرحمانية، بمركز نجع حمادي شمال محافظة قنا، يتجدد أحد أبرز المواسم الزراعية والتجارية في المنطقة، وهو موسم تجفيف التمور، الذي يمثل مصدر رزق لعشرات الأسر، وتتزايد أهميته مع اقتراب شهر رمضان المبارك.
وخلال جولة ميدانية، زارت «عرب بريس» منطقة جبل القصر، لرصد كواليس موسم تجفيف البلح، والتعرف على تفاصيل المهنة من خلال حكايات أقدم العاملين بها، الذين أمضوا سنوات طويلة في مواجهة قسوة الطبيعة من أجل الحفاظ على مصدر رزقهم.
25 عامًا من العمل والخبرة في تجفيف البلح
وسط مساحات البلح المفروشة على الرمال، يقف «عم رجب علي حسن»، الذي تجاوز الخمسين من عمره، وقد تركت سنوات العمل تحت أشعة الشمس آثارها على ملامحه، بينما تعكس ابتسامته شعورًا بالفخر بمهنة ارتبطت بها حياته لما يقرب من ربع قرن.
ويروي عم رجب لـ«عرب بريس» تفاصيل رحلته مع هذه المهنة، قائلًا إن أبناء قرية المصالحة والرحمانية يتوجهون إلى المناطق الجبلية لفرد محصول البلح وتعريضه لأشعة الشمس، حتى يصل إلى درجة الجفاف المناسبة، ويصبح صالحًا للتخزين والبيع مع اقتراب شهر رمضان.
وأوضح أن اختيار المناطق المرتفعة والمكشوفة ليس أمرًا عشوائيًا، إذ تحتاج عملية التجفيف إلى درجات حرارة مرتفعة ومساحات تسمح بتعرض المحصول لأشعة الشمس والهواء، بما يساعد على التخلص التدريجي من الرطوبة والحفاظ على جودة التمور لفترات أطول.
وتعتمد هذه العملية على طرق تقليدية توارثها العاملون جيلًا بعد جيل، لتظل واحدة من الركائز الأساسية لتجارة التمور المجففة في المنطقة.
العقارب والأفاعي.. مخاطر يومية في رحلة البحث عن الرزق
ولا تقتصر تحديات العمل في جبل القصر على طول ساعات الوقوف تحت أشعة الشمس الحارقة، أو المجهود البدني الكبير الذي تتطلبه عملية فرد البلح وتقليبه ومتابعة مراحل تجفيفه، بل تمتد إلى مخاطر البيئة الجبلية وما تحويه من زواحف وكائنات سامة.
ويؤكد عم رجب أن العمل في الجبل يحتاج إلى يقظة وحذر طوال الوقت، موضحًا أن العقارب والأفاعي قد تختبئ أسفل الأحجار وفي المناطق الرملية وبين أماكن فرد البلح.
ويقول: «العمل هنا في الجبل يتطلب حرصًا شديدًا، فنحن نعيش على باب الله، وتحت الأحجار وفي الأماكن المظلمة نجد أحيانًا العقارب والأفاعي والزواحف، لكن بحكم الخبرة والتكرار على مدار السنوات تعلمنا التعامل مع طبيعة المكان، ونحرص على حماية أنفسنا والعمال من هذه المخاطر».
ورغم قسوة الظروف، يواصل العمال عملهم خلال الموسم، مدفوعين بالحاجة إلى توفير دخل لأسرهم، والحفاظ على مهنة ارتبطت بحياة أبناء المنطقة منذ سنوات طويلة.
مهنة متوارثة وشريان رزق لعشرات الأسر
ورغم المشقة والمخاطر التي تحيط بالمهنة، فإن تجفيف البلح يظل مصدر دخل مهمًا لعشرات الأسر في قرى صعيد مصر، حيث يقضي العمال أسابيع طويلة في الجبال لمتابعة المحصول وتجهيزه للتخزين والتسويق.
ويؤكد عم رجب أن هذه المهنة لا تعتمد فقط على المجهود البدني، بل تحتاج إلى الصبر والخبرة وحسن التعامل مع المحصول والظروف المناخية، مشيرًا إلى أن سنوات العمل علمتهم الكثير من أسرار التجفيف والتعامل مع طبيعة الجبل.
وتجسد حكاية عم رجب وزملائه نموذجًا لكفاح أبناء الصعيد، الذين يحولون ساعات العمل الطويلة وعرق الجبين إلى مصدر رزق كريم، متمسكين بمهنة توارثوها جيلًا بعد جيل.
وهكذا، تتحول جبال نجع حمادي كل عام إلى ساحات واسعة لتجفيف البلح، في مشهد يجمع بين بساطة الوسائل وعمق الخبرة، ويحمل في تفاصيله حكايات رجال يواجهون قسوة الطبيعة من أجل لقمة العيش، واستعدادًا لموسم يرتبط بواحد من أهم شهور العام لدى المصريين.
- بـ7500 رغيف عيش بلدى فى أشمون.. مبادرة لقمة كريمة تواصل رحلة 7 سنين من العطاء
- الأعلى للإعلام" يوافق على عودة بث 3 برامج على قنوات "الشمس" و"الحدث اليوم" و"هي" بعد تصويب مسارها
- 7 نصائح لضمان السلامة والأمان خلال رحلات النقل الذكي في مصر: كيف تجعل كل رحلة أكثر أماناً؟
- البطانية تسبق البرد في وكالة البلح، التجار ينتظرون الشتاء وسط ركود حركة البيع (صور)
- بعد تغيير الساعة.. كيف تستفيد من شمس الشتاء لتعزيز فيتامين د؟






