يجلس الحاج عرفات خضر، ابن سيناء البار، مواليد 1951، على مقعده وهو يقلب في دفتر الذاكرة صفحات امتدت لأكثر من 70 عاماً. رجل عاصر الاحتلال، وعايش المجاهدين، وشهد النكسة والنصر، وكان شاهداً حياً على 3 حروب دارت على أرض الفيروز. في لقاء مع «عرب بريس» يفتح قلبه ليحكي عن وجهين لصمود أهل سيناء: وجه البندقية في مواجهة العدو، ووجه القلم في مواجهة الجهل.
سيناء.. أرض المواجهة والصمود
يبدأ الحاج عرفات حديثه بتأكيد لا يقبل الجدل: "أبناء سيناء كانوا السند الحقيقي للجيش المصري في كل المحن". ويستعيد مشاهد من حرب أكتوبر 1973، حيث لم يكن أهل سيناء متفرجين، بل كانوا عيوناً للجيش، ودليلاً في الدروب، وملاذاً آمناً للمقاتلين.
ويستحضر اسماً ظل محفوراً في وجدان السيناوية: الشيخ خلف الخلفات عليه رحمة الله فيقول الحاج عرفات بنبرة فخر: "حينما أراد الاحتلال الإسرائيلي إفراغ المنطقة من السكان، وقف الشيخ خلف في وجههم. أغروه بالمال، عرضوا عليه الدنيا مقابل أن يتخلى عن أرضه، ولكنه أبى ورفض. قال كلمته المشهورة: الأرض عرض، ومن فرط في عرضه لا يستحق الحياة".
ويضيف أن هذا الموقف لم يكن فردياً، بل كان انعكاساً لروح جماعية تجلت في "مؤتمر الحسنة الشهير"، الذي جمع شيوخ وعواقل سيناء ليعلنوا تمسكهم بالهوية المصرية ورفضهم لأي محاولات لسلخهم عن وطنهم. "كان المؤتمر صفعة في وجه المحتل، وإعلاناً أن سيناء مصرية وستظل مصرية بدماء أبنائها" على حد قوله.
من الكتّاب إلى المدرسة.. معركة أخرى في جنوب الشيخ زويد
بطولة الحاج عرفات لم تتوقف عند حدود الشهادة على الحروب. فالرجل كان يدرك مبكراً أن تحرير الأرض لا يكتمل إلا بتحرير العقل.
يتحدث عن بداياته في التعليم بصوت هادئ: "العلم سلاح. يحارب الجهل بنفس قوة السلاح الذي يحارب العدو. والجهل كان أخطر من الدبابة".
ويروي كيف كان من المعدودين الذين حملوا على عاتقهم نشر التعليم في المناطق الأكثر احتياجاً بجنوب الشيخ زويد. لم ينتظر المدارس الحكومية، بل فتح الكتاتيب بيديه. "بدأنا في نجع شيبانة، ثم الجورة، ثم الظهير. كنا نجمع الأولاد تحت ظل شجرة أو في زاوية صغيرة، ونعلمهم الحروف والقرآن والحساب. كان الأهالي يرسلون أبناءهم مشياً لساعات، لأنهم كانوا عطشى للعلم".
ويؤكد أن تلك الكتاتيب لم تكن مجرد فصول دراسية، بل كانت حصوناً ثقافية حافظت على اللغة والدين والقيم وسط ظروف الاحتلال والحصار. "اللي علّم عيل يقرأ ويكتب، كان بيحارب بنفس شراسة اللي شايل بندقية".
"سيناء التي نريد".. رؤية ابن الأرض للمستقبل
لم يتوقف عطاء الحاج عرفات عند التعليم الشفهي. فقد وثق تجربته ورؤيته في عدة كتب، كان آخرها كتاب "سيناء التي نريد". الكتاب الذي يراه بمثابة رسالة إلى الدولة والمجتمع معاً بضرورة الحفاظ علي الوطن ومقداسته..
ويقول عن الكتاب: "كتبته من قلب المعاناة ومن قلب الأمل. سيناء التي نريدها هي سيناء المتعلمة، العامرة، التي يشارك أبناؤها في بنائها بأيديهم".
ويشيد باهتمام الدولة المصرية بسيناء خلال السنوات الأخيرة، وما شهدته من مشروعات في البنية التحتية والطرق والمدن الجديدة. لكنه يعود ويؤكد على نقطة جوهرية: "التنمية الحقيقية لن تكتمل إلا بمشاركة أبناء سيناء أنفسهم. نحن أدرى الناس بطبيعة أرضنا، واحتياجات قبائلنا، وطبيعة مجتمعنا. لابد من إشراكنا في كل خطوة، من التخطيط إلى التنفيذ.
رسالة إلى الأجيال الجديدة
يختم الحاج عرفات حديثه برسالة موجهة لشباب سيناء ومصر كلها. يقول: "إياكم تنسوا تاريخكم. اللي ماضيه ضاع، مستقبله بيضيع. احفظوا بطولات أجدادكم، واتعلموا من صبرهم. والسلاح دلوقتي مش بس في إيد الجندي، السلاح في إيد المهندس والدكتور والمعلم".
ويضيف: "سيناء دفعت الثمن غالي. بالدم وبالصبر. والدور علينا دلوقتي إننا نحول التضحيات دي لمدارس ومصانع ومزارع. دي أمانة في رقبتنا كلنا.
ويختتم كلماته وهو ممسك بكتاب "سيناء التي نريد" فهو رجل جمع بين بطولتين: بطولة من واجه الاحتلال، وبطولة من واجه الأمية. وفي زمن تتصارع فيه الروايات، يبقى صوت الشهود العيان هو الأصدق، وهو الذي يرسم ملامح الحقيقة كما عاشوها على أرض سيناء.
الحاج عرفات خضر

الحاج عرفات خضر ومراسل اليوم السابع






