لم يعد نجاح القوانين يُقاس بمجرد صدورها أو دخولها حيز التنفيذ، وإنما بمدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة المواطنين، وتحقيق الأهداف التي وضعت من أجلها، فكم من تشريع صدر لمعالجة مشكلة معينة، لكن التطبيق العملي كشف عن تحديات وآثار لم تكن في الحسبان، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مهمة حول مدى فاعلية القوانين، والجهات المسؤولة عن متابعة نتائجها، والآليات التي يمكن من خلالها التأكد من تحقيقها للهدف المنشود.
وفي ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المجتمعات، باتت الحاجة ملحة إلى الانتقال من مجرد إصدار التشريعات إلى تقييم نتائجها وقياس انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، وهو ما يبرز أهمية مفهوم «قياس الأثر التشريعي» باعتباره أداة لتطوير المنظومة القانونية، والكشف عن مدى كفاءة القوانين قبل إصدارها وبعد تطبيقها، ورصد ما قد يترتب عليها من آثار إيجابية أو سلبية.
ما المقصود بقياس الأثر التشريعي
يقصد بقياس الأثر التشريعي عملية منهجية لدراسة وتحليل النتائج المتوقعة أو الفعلية للقوانين والقرارات واللوائح، بهدف معرفة مدى تحقيقها للأهداف التي وضعت من أجلها، ومدى تأثيرها في مختلف الفئات والقطاعات، ولا يقتصر الأمر على مراجعة الصياغة القانونية أو التأكد من توافق التشريع مع الدستور، وإنما يمتد إلى دراسة المشكلة التي يسعى القانون إلى حلها، ومدى ملاءمة التدخل التشريعي لمعالجتها، والتكلفة الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على تطبيقه، فضلًا عن تأثيره على المواطنين والقطاع الخاص والاستثمار
ويشمل التقييم أيضًا تحديد المستفيدين والمتضررين من التشريع، ورصد الآثار غير المقصودة التي قد تنتج عن تطبيقه، وقياس مدى تحقيق النتائج المستهدفة، بما يساعد على تحديد ما إذا كان القانون يحتاج إلى تعديل أو تطوير أو الاستمرار في تطبيقه بصورته الحالية
ينقسم قياس الأثر التشريعي إلى مرحلتين أساسيتين، الأولى هي التقييم السابق على إصدار التشريع (Ex Ante)، ويتم خلالها دراسة النتائج المتوقعة للقانون قبل إصداره، وتحديد أهدافه والفئات التي ستتأثر به، وتقدير تكلفته الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب مقارنة الحلول والبدائل المتاحة، للتأكد من أن إصدار تشريع جديد هو الوسيلة المناسبة لمعالجة المشكلة
أما المرحلة الثانية فهي التقييم اللاحق على تطبيق التشريع (Ex Post)، وتتم بعد دخول القانون حيز التنفيذ بفترة تسمح بظهور نتائجه، حيث يجري قياس مدى نجاحه في تحقيق الأهداف المعلنة، ومدى التزام الجهات المعنية بتنفيذه، وتأثيره الفعلي على المواطنين والأنشطة الاقتصادية، فضلًا عن رصد أي مشكلات ظهرت أثناء التطبيق وتحديد مدى الحاجة إلى إجراء تعديلات تشريعية
من المسؤول عن قياس الأثر التشريعي؟
لا تتولى جهة واحدة بالضرورة مسؤولية قياس الأثر التشريعي، وإنما تتوزع هذه المهمة بين عدد من المؤسسات والجهات، وفقًا للنظام القانوني والإداري لكل دولة، وتأتي الوزارات والجهات الحكومية في مقدمة هذه المؤسسات، إذ تتولى الجهة صاحبة مشروع القانون إعداد دراسة الأثر التشريعي، باعتبارها الأكثر معرفة بالمشكلة التي يستهدف التشريع معالجتها، وما يتوافر لديها من بيانات ومعلومات تتعلق بالقطاع الذي تعمل فيه
وتشارك في هذه المهمة وحدات الإصلاح التشريعي وقياس الأثر، التي تتولى مراجعة الدراسات وتحليلها وتقديم الرأي الفني والتوصيات، إلى جانب متابعة مدى الالتزام بالمنهجيات المعتمدة، كما يضطلع البرلمان واللجان البرلمانية المختصة بدور مهم من خلال فحص دراسات الأثر المصاحبة لمشروعات القوانين، ومناقشة مدى تحقيق التشريعات لأهدافها، والاستعانة بالخبراء والمتخصصين، وممارسة الرقابة على تطبيق القوانين
ولا يقتصر الأمر على الجهات التشريعية والتنفيذية، إذ تسهم الأجهزة الرقابية والإحصائية في توفير البيانات والمؤشرات المتعلقة بالأداء والإنفاق والنتائج، بما يساعد على التحقق من الأثر الفعلي للتشريعات، كما تشارك الجامعات ومراكز البحوث والخبراء المستقلون في إجراء الدراسات المتخصصة وتحليل النتائج الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، بينما يمثل المواطنون ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص مصدرًا مهمًا للمعلومات حول الآثار الواقعية للقوانين، من خلال جلسات الحوار المجتمعي والاستبيانات والمشاورات العامة
كيف يتم قياس الأثر التشريعي على أرض الواقع؟
تتم عملية قياس الأثر التشريعي من خلال مجموعة من الخطوات العلمية التي تبدأ بتحديد المشكلة التي يستهدف القانون معالجتها، ثم جمع البيانات المتعلقة بها، ووضع مؤشرات واضحة يمكن من خلالها قياس النتائج قبل إصدار التشريع وبعد تطبيقه، وتتنوع هذه المؤشرات بحسب طبيعة القانون والقطاع الذي يستهدفه.
فعلى سبيل المثال، إذا صدر قانون يستهدف تبسيط إجراءات استخراج التراخيص، فإن تقييم نجاحه لا يتوقف عند عدد التراخيص التي صدرت بعد تطبيقه، وإنما يمتد إلى قياس متوسط الوقت اللازم للحصول على الترخيص، ومدى انخفاض التكلفة المالية والإدارية، وعدد الإجراءات والمستندات المطلوبة، ومدى رضا المواطنين وأصحاب المشروعات عن الخدمة، فضلًا عن دراسة تأثير هذه التسهيلات على حجم الاستثمارات والمشروعات الجديدة.
وتعتمد عملية القياس على أدوات متعددة، من بينها تحليل البيانات والإحصاءات الرسمية، وإجراء استطلاعات الرأي والمقابلات مع الأطراف المتأثرة بالتشريع، ومقارنة النتائج قبل التطبيق وبعده، إلى جانب تحليل التكلفة والعائد، بما يساعد على الوصول إلى صورة أكثر دقة عن النتائج الفعلية للقانون.
لماذا أصبح قياس الأثر التشريعي ضرورة؟
تنبع أهمية قياس الأثر التشريعي من دوره في مساعدة الدولة على الانتقال من مجرد إصدار القوانين إلى إدارة منظومة تشريعية قائمة على النتائج والأدلة، إذ يسهم في الحد من تضخم التشريعات، وتجنب إصدار قوانين قد تتعارض مع تشريعات قائمة، وتقليل الأعباء الإدارية والمالية على المواطنين والمستثمرين، وتحسين كفاءة الإنفاق العام
كما يمنح هذا المفهوم صانع القرار فرصة لاكتشاف المشكلات التي قد تظهر أثناء تطبيق القوانين، والتعامل معها من خلال التعديل أو التطوير بدلًا من استمرار العمل بتشريعات قد لا تحقق أهدافها، فضلًا عن دوره في مراجعة القوانين القديمة التي لم تعد تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن مواكبة المنظومة التشريعية لاحتياجات المجتمع.
التحديات التي تواجه تطبيق قياس الأثر التشريعي
ورغم أهمية هذا المفهوم، فإن تطبيقه يواجه عددًا من التحديات، في مقدمتها نقص البيانات الدقيقة والمحدثة، وضعف التنسيق بين الجهات الحكومية، وعدم توافر الكوادر المتخصصة في مجالات التحليل الاقتصادي والاجتماعي والقانوني، وهي عوامل قد تؤثر على دقة الدراسات والنتائج التي يتم التوصل إليها.
كما أن بعض التشريعات تحتاج إلى فترة زمنية طويلة حتى تظهر آثارها الحقيقية، وهو ما يتطلب وضع خطط متابعة ومؤشرات قياس تمتد لسنوات، بدلًا من الاكتفاء بتقييم سريع عقب بدء التنفيذ، إلى جانب أهمية إتاحة نتائج دراسات الأثر التشريعي للرأي العام، وإشراك المواطنين والجهات المتأثرة بالقوانين في عملية التقييم، بما يعزز الشفافية والمساءلة.
- لماذا ينام بعض الأشخاص أربع ساعات فقط يومياً؟
- محافظ المنوفية يفاجئ شوارع شبين الكوم بجولة لمتابعة الخدمات
- نجاح زراعة القلب الثامنة عشرة في الكويت لمريض عمره 18 عاماً
- انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.. كل ما تريد معرفته عن اقتراع ثلاثاء الحسم
- الجلاهمة: نجاح بطولة «بريمير بادل كويت ميجر 2026» يعكس قدرات الكويت التنظيمية المتميزة






