تترسخ معايير أمن الطاقة بفضل الجاهزية للإنتاج، إلى جانب احتياطيات النفط العالمية وتدفق الإمدادات، وثمة عوامل إضافية لاستقرار الأسواق في أثناء الحروب والاضطرابات الجيوسياسية.
وبحسب مقال اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، أعادت الاضطرابات في مضيق هرمز طرح سؤال مألوف يتصدّر عناوين الأخبار العالمية: في حال اختفاء ملايين البراميل فجأة من السوق، فمن يمكنه تعويضها، وبأي سرعة؟
إنه السؤال ذاته الذي طُرح عقب حظر النفط عام 1973، وغزو العراق للكويت عام 1990، وانهيار الطلب عام 2020.
وقد تختلف التفاصيل في كل مرة، لكن المشكلة الجوهرية تظل ثابتة، ولم تكن الإجابة يومًا تكمن في أرقام الاحتياطيات.
احتياطيات النفط العالمية
تُقاس احتياطيات النفط العالمية بدقة متناهية؛ إذ يجري تتبع الاحتياطيات والإنتاج والمخزونات والصادرات والأسعار يوميًا، وصولًا إلى مستوى البرميل الواحد.
لكن ما لا يُقاس هو ما يمكن للعالم فعله حقًا عند توقف الإمدادات، أي مدى سرعة استجابة النظام لهذا الوضع، بحسب مقال نشرته مجلة "وورلد أويل" لرئيسة مجلس القوى العاملة والتكنولوجيا في قطاع الطاقة (مقره مدينة هيوستن الأميركية)، مولي ديترمان.
ولا يوجد مقياس موحّد لتلك القدرة، وربما تكون هي الرقم الأهم في معايير أمن الطاقة، ومع ذلك لا أحد يرصده أو يعلنه، ويمكن تسميته "الجاهزية للإنتاج".

الجاهزية للإنتاج
ترى رئيسة مجلس القوى العاملة والتكنولوجيا في قطاع الطاقة، مولي ديترمان، أن الجاهزية للإنتاج لا تتعلق بما يكمن في باطن الأرض، بل تطرح تساؤلًا عما إذا كان بإمكان القطاع الصناعي التحرك عند الضرورة.
وتطرح الأسئلة الآتية: هل تتوفر أطقم العمل اللازمة لتشغيل المزيد من منصات الحفر وهل يستطيع المصنعون توريد المعدات التي تتطلب فترات تصنيع طويلة ضمن جداول زمنية مضغوطة؟ وهل تتوافر أساطيل الضخ تحت الضغط والسفن البحرية أم أنها مرتبطة بالتزامات أخرى؟
وهل ستصمد سلاسل التوريد؟ وهل ستتمكن إجراءات التراخيص والبنية التحتية من مواكبة أي توجه مفاجئ لتسريع وتيرة العمل؟
وتوضح ديترمان أن أيًا من هذه التفاصيل لا تظهر في تقارير الإنتاج، ومع ذلك فهي العامل الحاسم في تحديد سرعة وصول الإمدادات الجديدة إلى السوق.
ويظل السؤال قائمًا حول توافر أطقم العمل اللازمة لتشغيل المزيد من منصات الحفر إذا تطلّب الموقف توسيع نطاق الأنشطة.
وغالبًا ما يظل قطاع خدمات الطاقة بعيدًا عن أنظار العامة حتى تكشف عنه الأزمات.
وفي الوقت نفسه، فإن قدرة العالم على الاستجابة للصدمات تعتمد -بدرجة أقل بكثير على الجيولوجيا- وبدرجة أكبر على القدرات الصناعية التي تشمل الكوادر البشرية والمعدات والخبرات الفنية اللازمة لتحويل الموارد الطبيعية إلى طاقة جاهزة للاستعمال.
بالمثل، يمرّ كل برميل إضافي عبر هذه المنظومة؛ إذ تتولى شركات الخدمات حشد منصات الحفر، وتصنيع المعدات، وإنجاز الآبار، وتشغيل السفن، وتوفير التقنيات التي تجعل استخراج الطاقة من المكامن الصعبة أمرًا مجديًا.
وتقف وراء كل ذلك قوة عاملة مدرّبة لأداء مهام لا تضاهيها سوى قلة قليلة من الصناعات حول العالم.
وتشير مولي ديترمان إلى أن بناء هذه القدرات يستغرق عقودًا، في حين يمكن فقدانها في غضون أشهر معدودة، ولا يمكن استعادتها أو تشغيلها من جديد بمجرد عودة الطلب إلى الارتفاع.
دور جائحة كوفيد-19
أوضحت جائحة كوفيد-19 هذه المسألة بجلاء، فعندما انخفض الطلب عام 2020، غادر ذوو الخبرة هذا القطاع، وتكدّست المعدات، وتباطأت عمليات التصنيع، وجفت منابع الاستثمار، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.
وحين عاد العالم ليحتاج إلى المزيد من الطاقة، لم تكن المشكلة تكمن في قاعدة الموارد المتاحة، بل في القدرة على تطويرها؛ إذ كان لا بد من إعادة بناء فرق العمل والمعدات وسلاسل التوريد، وبدء ذلك من الصفر تقريبًا.
وقد تكرر هذا النمط ذاته في أعقاب الحروب والعقوبات والأعاصير؛ فالعامل الحاسم نادرًا ما يكون حجم النفط الكامن في باطن الأرض، بل مدى سرعة استجابة القطاع، حسبما تقول رئيسة مجلس القوى العاملة والتكنولوجيا في قطاع الطاقة، مولي ديترمان.
من جهتها، تراقب الحكومات من كثب الاحتياطيات الإستراتيجية ومعدلات الإنتاج اليومي ومستويات المخزون، لكن لا يوجد مؤشر مماثل لقياس "جاهزية الإنتاج".
وهذا أمر يستحق التغيير، ليس عبر فرض المزيد من اللوائح التنظيمية، بل من خلال تبني نهج أفضل للتفكير في قضايا الأمن.
ومثلما يعتمد الاقتصاديون على الناتج المحلي الإجمالي لتقييم سلامة الاقتصاد، وتراقب البنوك المركزية معدلات التضخم لتوجيه السياسات، يحتاج قطاع الطاقة إلى أداة مماثلة لقياس القدرات، أي إطار عمل يعمل جنبًا إلى جنب مع المؤشرات التقليدية، ويوضح لصناع القرار مدى سرعة استجابة النظام ومواطن الضعف.
وسواء جاءت هذه المبادرة من الحكومات أو الهيئات الصناعية أو عبر تعاون مشترك بينهما، فإن الأمر الأهم يظل هو الهدف المنشود: إيجاد آلية موحّدة لتقييم الجاهزية، تُضاف إلى مقاييس الاحتياطيات ومعدلات الإنتاج.

ابتكار مقياس جديد
من المفيد تخيّل عالم يمكن لصناع السياسات فيه -إلى جانب الاطلاع على أرقام الإنتاج الشهرية- أن يعرفوا حجم الإنتاج الإضافي الذي يمكن دخوله حيز التشغيل في غضون 90 أو 180 أو 365 يومًا، وأين تكمن الفجوات في القوى العاملة، وأي اختناقات في التصنيع تنطوي على أكبر قدر من المخاطر.
يُضاف إلى ذلك مقدار الضغط الذي يمكن لسلسلة التوريد تحمّله قبل أن تنهار، وأي المناطق تمتلك قدرة فعلية على زيادة الإنتاج عند الحاجة (قدرة الاستجابة)، وأيها تبدو كذلك ظاهريًا فقط.
ومن شأن هذه الإجابات أن تقدم صورة أكثر دقة وصدقًا عن أمن الطاقة مقارنة بأرقام الإنتاج وحدها، وهي ستساعد العاملين في هذا القطاع وغيرهم على فهم آلية عمل النظام فعليًا، وإدراك سبب استحالة توفير الإمدادات بمجرد ضغطة زر.
وتشير رئيسة مجلس القوى العاملة والتكنولوجيا في قطاع الطاقة، مولي ديترمان، إلى أن سياسات الطاقة ارتكزت لعقود طويلة على ما ينتجه العالم اليوم، غير أن السؤال الأكثر أهمية وصعوبة هو: ما الذي يستعد هذا القطاع لإنتاجه غدًا؟
وتوضح أن الأزمة المقبلة لن تتوقف عند عدد البراميل المتبقية في باطن الأرض، بل ستعتمد على من يملك القدرة على تعويض ما يُفقد من إمدادات، ومدى سرعة ذلك.
وتخلص إلى أنه ما لم تُقس "الجاهزية" بالقدر نفسه من الجدية التي تُقاس بها الاحتياطيات ومعدلات الإنتاج ستظل معايير أمن الطاقة منقوصة.






