عرفت الدراما السورية خلال سنوات سابقة حضوراً لافتاً لأعمال السيرة الذاتية، نجحت في استعادة حياة شخصيات تركت أثراً في التاريخ والثقافة والفن، بتجارب حظيت باهتمام الجمهور، قبل أن يتراجع هذا النوع تدريجياً عن المشهد الدرامي السوري.
في السنوات الأخيرة، بات التركيز أكثر على الدراما الاجتماعية والقصص التي تتناول الواقع اليومي وتحاول مقاربته بالنقد بأعمال تعج بالعنف والجريمة والتركيز على الخيانة الزوجية، في وقت فرضت فيه الظروف الاقتصادية والإنتاجية نفسها على صناعة الدراما، وجعلت من إنتاج عمل عن شخصية تاريخية أو فنية أو سياسية مشروعاً محفوفاً بالكثير من التحديات.
فالسيرة الذاتية مشروع يحتاج إلى ميزانية إنتاجية كبيرة وديكورات وملابس وأماكن تصوير تنسجم مع المرحلة الزمنية التي تدور فيها الأحداث، فضلاً عن ضرورة إجراء أبحاث طويلة وجمع الوثائق والمعلومات والتحقق من تفاصيل حياة الشخصية وعلاقاتها ومواقفها، وهي جميعها عوامل ترفع كلفة العمل وتطيل زمن التحضير له.
ولا تقتصر صعوبات هذا النوع من الأعمال على الجانب الإنتاجي والبحثي، إذ تبرز أيضاً حساسية الشخصيات التي تتناولها، خصوصا عندما تكون قريبة زمنياً أو لا تزال موضع خلاف أو جدل، فالاقتراب من حياة شخصية معروفة قد يفتح الباب أمام انتقادات تتعلق بدقة المعلومات أو طريقة تقديمها أو اتهامات بالتحيز، فضلاً عن إمكانية اعتراض أفراد العائلة أو الورثة على بعض التفاصيل.
في هذا السياق يرى الممثل سامر الجندي أن غياب أعمال السيرة الذاتية لم يعد يشكل تأثيراً كبيراً كما كان في السابق، لافتاً إلى أن الأمر يرتبط إلى حد كبير بتغير اهتمامات الجمهور، ولا سيما الأجيال الجديدة.
وأوضح أن الجيل الجديد لا يمتلك الشغف نفسه الذي كان لدى الأجيال السابقة لمعرفة التفاصيل الشخصية في حياة شخصية فنية أو ثقافية أو سياسية تركت أثراً في زمنها، أو التعرف إلى جوانب حياة قائد أو عالم أو شخصية عامة.
وأشار إلى أن الإيقاع السريع للحياة اليوم انعكس على طريقة تلقي الجمهور للمحتوى، فأصبح الاتجاه العام يميل إلى السرعة واللحظة، على حساب التفكير والبحث والدراسة التي تتطلبها أعمال السيرة الذاتية.
وأضاف إلى ذلك تراجع عدد الكتاب المتخصصين في هذا النوع من الدراما، في وقت تتجه فيه نسبة من الإنتاجات الحديثة نحو أعمال العنف والبيئات الشعبية والعشوائيات، مقابل اتجاه آخر نحو الدراما المعربة، التي يرى البعض أنها تبتعد عن خصوصية المجتمع المحلي ولا تشبهه بالضرورة.
من جهته، أكد الكاتب مروان قاووق أن الدراما السورية قدمت عدداً كبيراً من أعمال السيرة الذاتية، مستشهداً بـ”أسمهان” و”نزار قباني” و”صلاح الدين” وغيرها من الأعمال التي تناولت شخصيات بارزة في التاريخ السوري والعربي، سواء في المجالات الثقافية والأدبية أو السياسية والتاريخية والإدارية.
وأوضح قاووق أن إنجاز هذا النوع من الأعمال يرتبط بالدرجة الأولى بقرار شركات الإنتاج، باعتبارها الجهة التي تتحمل النفقات والتكاليف، مشيراً إلى أن الكاتب لن يكون قادراً، في معظم الحالات على خوض رحلة بحثية طويلة من تلقاء نفسه، تشمل جمع الوثائق والمعلومات وإجراء اللقاءات والتحقق من التفاصيل، من دون وجود جهة إنتاجية تتبنى المشروع.
ولفت إلى أن مرحلة البحث قد تستغرق سنوات، وقد ينتهي الأمر بالكاتب إلى عدم العثور على شركة مستعدة لإنتاج النص الذي أمضى وقتاً طويلاً في إعداده، كاشفاً أن أحد الكتاب المقربين منه عمل على مشروع يتناول سيرة رمز تاريخي كبير، واستمر في جمع المعلومات وإعداد النص لأكثر من سبع سنوات، قبل أن يضطر إلى إجراء تعديلات واسعة على المعلومات والأفكار حتى يجد العمل طريقه إلى الإنتاج.
أما الكاتب والناقد نضال قوشحة، فأكد أن مسلسل السيرة الذاتية عمل درامي يتمحور حول شخصية رمزية ذات حضور واسم وتأثير في مرحلة زمنية معينة، وقد تكون هذه الشخصية سياسية أو طبيباً أو شاعراً أو قاضياً أو غير ذلك.
وأشار إلى أن هذا النوع من الدراما من أكثر الأنواع إرهاقاً للكاتب، لأنه يحتاج قبل كتابة السيناريو إلى عملية بحث عميقة، تشمل التحقق من الوقائع والأحداث التي عاشتها الشخصية، وعلاقاتها بمن حولها، ومواقفها وردود أفعالها، فضلاً عن علاقتها بالإعلام وطريقة تناول الإعلام لها.
وأكد أن كثيراً من الكتاب قد يعزفون عن خوض هذه التجربة بسبب حجم الجهد المطلوب، لافتاً إلى أن بعض شركات الإنتاج تتعامل مع الأمر وكأن مهمة الكاتب تبدأ وتنتهي بكتابة السيناريو، بينما تحتاج السيرة الذاتية في الواقع إلى مادة علمية متكاملة تسبق عملية البناء الدرامي.
وشدد قوشحة على أن بعض مشاريع السيرة الذاتية تحتاج إلى أربع أو خمس سنوات من البحث والدراسة قبل الوصول إلى مرحلة كتابة السيناريو، ولذلك فإن الأفضل أن تتولى لجنة من الباحثين والمختصين إعداد المادة العلمية، ثم تُسلّم إلى الكاتب الدرامي لتحويلها إلى عمل تلفزيوني.
وأشار إلى أن الجانب القانوني يمثل تحدياً إضافياً، إذ قد تدخل شركات الإنتاج في صدامات مع عائلات الشخصيات أو ورثتها، خصوصاً في حال اعتبروا أن العمل غيّر حقائق أو أساء إلى صورة الشخصية، الأمر الذي قد يقود إلى دعاوى قضائية وتكاليف إضافية تتحملها الجهة المنتجة.
ولهذا السبب، يرى أن بعض المنتجين قد يفضلون تناول شخصيات تاريخية تعود إلى عصور بعيدة جداً، لتجنب الاحتكاك المباشر مع الورثة والعائلات.
- الرئيس الشرع يبحث مع كالاس علاقات سوريا والاتحاد الأوروبي ومستجدات المنطقة
- بناء المؤسسات.. استقرار الداخل يواكب استعادة الدور الخارجي
- العجز يفرض الانضباط .. هل ينجح ترشيد الإنفاق في ضبط الموازنة؟
- فراس إبراهيم في “711”.. سبعة أشخاص في قبضة شبكة إجرامية عابرة للحدود
- الذكاء الاصطناعي في مواجهة التهرب الضريبي






