يمثل ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة في سوريا تحدياً متفاقماً، مع تراجع القدرة الشرائية وضعف الدخول واتساع الفجوة بين الأجور والاحتياجات الأساسية، ما يزيد الضغوط المعيشية والفقر ويحدّ من الاستهلاك، كما يواجه أصحاب العمل صعوبة في رفع الأجور بسبب ضعف الإنتاجية وارتفاع تكاليف التشغيل والاعتماد على الاستيراد، وتتطلب المعالجة ضبط الأسعار وتعزيز الرقابة، ودعم الإنتاج المحلي، وتحسين الأجور تدريجياً، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتوفير فرص العمل وتحفيز الاستثمار، بما يعزز القدرة الشرائية ويوازن بين الدخول وتكاليف المعيشة.
الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، في حديث لـ”الوطن”، رأى أن رفع الأجر دفعة واحدة إلى المستوى الواقعي لتكاليف المعيشة أمر مستحيل، مشدداً على ضرورة اتباع مسار تدريجي يتزامن مع تحسن الإنتاجية ويوجه نحو القطاعات، وإلا فإن الزيادة الحادة في الأجور ستتحول سريعاً إلى تضخم وتراجع بالتوظيف، في اقتصاد يعاني انكماشاً حاداً في الإنتاج.
وأوضح محمد أن الفجوة الحالية واسعة جداً، إذ إن رفع الأجر إلى 80 ألف ليرة سورية يعني زيادة بنحو 650 ضعفاً، وفي اقتصاد لا تزال طاقته الإنتاجية ضعيفة، وسلاسل التوريد فيه غير مكتملة، ويعتمد بدرجة مرتفعة على الاستيراد، فإن أي زيادة واسعة النطاق في الأجور ستؤدي إلى ارتفاع شامل في الأسعار، ما يبدد مزايا الزيادة الاسمية خلال أشهر.
ربط الأجور بالإنتاجية وخط الفقر
واقترح محمد تحديد الحد الأدنى للأجور في البداية بالاستناد إلى خط الفقر الذي يمكن أن يتحمله هيكل الإنتاج الحالي، مع إنشاء آلية للمراجعة الدورية، بحيث ترتفع الأجور بالتوازي مع تحسن مؤشرات الإنتاجية وتراجع معدل التضخم.
واستند في ذلك إلى تجربة سوريا، التي أظهرت أن رفع الأجر الاسمي من 18 إلى 105 دولارات لم يغير الوضع الأساسي المتمثل في عدم القدرة على تغطية الاحتياجات، وبذلك فإن زيادة الراتب من حيث قيمته الاسمية لا تكفي وحدها لتحسين المستوى المعيشي ما لم تنعكس على القدرة الشرائية الفعلية.
الإصلاح الضريبي وضبط الأسعار
وشدد محمد على ضرورة اتخاذ إجراءات متزامنة للإصلاح الضريبي وضبط الأسعار، موضحاً أنه إذا لم يتم الحد من أرباح التجار والوسطاء، لا سيما التسعير الاحترازي الناجم عن المضاربة، فإن الأسعار ستستوعب أي تحسن في الأجور.
واقترح تطبيق ضريبة تصاعدية على السلع الكمالية والأرباح غير العادية، إلى جانب تقديم إعانات موجهة للسلع الأساسية، مثل الخبز والوقود والكهرباء، بهدف خفض تكلفة المعيشة من جانب النفقات، بدلاً من الاعتماد حصراً على زيادة الأجور.
توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الإنفاق العام
وأشار محمد إلى أن الحكومة السورية تمتلك مساحة مالية محدودة، وأن رفع الأجور في القطاع العام سيزيد الضغط على الموازنة، ويمكن الحفاظ على القدرة الشرائية من دون التسبب بتضخم من خلال خفض الإنفاق غير الفاعل، ودمج الدعم، وتوسيع القاعدة الضريبية، لا سيما في قطاع الخدمات والاقتصاد غير الرسمي.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يترافق رفع الأجور في القطاع العام مع تقديم حوافز للقطاع الخاص، مثل تخفيض اشتراكات الضمان الاجتماعي، لتجنب لجوء الشركات الخاصة إلى تسريح العمال نتيجة ارتفاع التكاليف.
الإنتاج المحلي أساس زيادة الأجور المستدامة
ورأى محمد أن جوهر التضخم في سوريا يتمثل في التضخم المستورد الناجم عن انخفاض قيمة العملة وارتفاع تكاليف الطاقة، إلى جانب نقص السلع المحلية.
وأكد أن إعادة تشغيل الإنتاج الزراعي والصناعي، وتحسين كفاءة النقل والخدمات اللوجستية، سيؤديان إلى خفض الأسعار بصورة فاعلة، ما يجعل زيادة الأجور أكثر استدامة.
زيادة الأجور تحتاج إلى مسار اقتصادي متكامل
تُظهر المقترحات التي قدّمها محمد أن معالجة الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة لا يمكن أن تعتمد على زيادة الرواتب وحدها، بل تتطلب ربط الزيادات بتحسن الإنتاجية، واتخاذ إجراءات متزامنة لضبط الأسعار والإصلاح الضريبي، وتحسين الإنفاق العام، ودعم الإنتاج المحلي.
ويقوم هذا المسار على مراعاة قدرة الاقتصاد على تحمل الزيادات، بما يتيح تحسين القدرة الشرائية تدريجياً، مع الحد من مخاطر تحول ارتفاع الأجور إلى موجة تضخمية جديدة أو إلى ضغوط إضافية على فرص العمل.






