عقب مرور ما يقرب من السنتين من الانتقال إلى اقتصاد السوق الحر وتحرير الأسعار، مازالت آثاره السلبية واضحة على السوق وتزداد يومياً من خلال ازدياد فوضى الأسعار وعدم القدرة على إيجاد صيغة لضبطها، وضعف المنافسة، وتحكم التجار بالسوق في ظل عدم تدخل الجهات الرقابية بالتسعير، فهل حقق هذا الانتقال الغاية المرجوة منه؟ وماالمطلوب لنجاح هذا الانتقال وانعكاسه إيجابا على واقع السوق ومساهمته الفاعلة في حماية المستهلك؟
الخبير في الشؤون السياسية والاقتصادية باسل كويفي قال: إن الانتقال من اقتصاد تديره الدولة إلى اقتصاد سوق حر تنافسي يعتبر أحد أكثر الملفات تعقيداً في الدول النامية والانتقالية، لافتاً إلى أن التجارب الدولية تظهر أن السرعة وحدها في هذا الانتقال ليست المعيار الحاسم للنجاح أو الفشل، بل جودة المؤسسات، وتسلسل الإصلاحات، وقدرة الدولة على التحول من دور المالك والمدير إلى دور الحكم العادل الذي يحمي المنافسة ويضمن الحماية الاجتماعية.
وفي تصريح لـ «عرب بريس» بين كويفي بأن الدراسات التجريبية متباينة بشأن تحرير الأسعار ضمن سياسة “العلاج بالصدمة” إذ ان بعض الأبحاث تشير إلى أن الدول التي أسرعت في إزالة التشوهات السابقة الناجمة عن اقتصاد تديره الدولة حققت نمواً أعلى خلال فترة التحول وبعدها مباشرة، في المقابل تؤكد دراسات أخرى أن سرعة التحرير لم تكن العامل الحاسم، بل قدرة المؤسسات على إدارة الصدمة الناجمة عن الانتقال السريع للاقتصاد الحر وتجنب انهيار سيادة القانون، ضارباً مثالاً على بعض الدول التي قامت بتحرير الأسعار مثل بولندا ودول البلطيق التي نجحت نسبياً لأنها جمعت بين سرعة معقولة في التحرير والحفاظ على حد أدنى من القدرة المؤسسية وبناء شبكات أمان مبكرة، أما روسيا، فقد أدى التحرير السريع مع ضعف شديد في مكافحة الفساد إلى تراجع حاد في الناتج، في حين أن الصين وفيتنام اختارتا التدرج في السرعة مع الإبقاء على سيطرة الدولة في القطاعات الاستراتيجية حتى تكتمل بناء المؤسسات، فحققتا خفضاً كبيراً للفقر.
وأكد كويفي بأن الانتقال المفاجئ والسريع إلى اقتصاد السوق الحر دون وجود مؤسسات تنظيمية قوية (قوانين منافسة، قضاء مستقل، شفافية، وملكية واضحة) تتحول غالباً إلى فوضى أو رأسمالية محاسيب، مبيناً بأن الاقتصاد الحر لا يعني غياب الدولة، بل وجود دولة قادرة على فرض القواعد، وفي حال غياب هذا الإطار، تظهر الآثار السلبية المعروفة مثل التضخم الذي يفوق قدرة الأجور الحقيقية، واتساع دائرة عدم المساواة، وتراجع الطبقة الوسطى، وارتفاع البطالة الهيكلية، لذا يجب التمييز هنا بين الآثار الانتقالية الحتمية الناتجة عن إعادة تخصيص الموارد بعيداً عن القطاعات غير التنافسية، والآثار المبالغ فيها الناتجة عن غياب التسلسل الصحيح للإصلاحات أو ضعف شبكات الأمان، مؤكداً بأن الدول التي جمعت بين التحرير المستهدف والدعم النقدي الموجه حققت نتائج أفضل على صعيد الفقر.
وأضاف: من الناحية العملية، فإن تحرير الأسعار ورفع الدعم قبل تحسين الدخول الحقيقية والإنتاجية غالباً ما يكون كارثياً إذا لم يُرافق بتدابير تعويضية فورية. فالمنطق السليم يتطلب تحسين الإنتاجية، وبناء شبكات أمان مستهدفة، وإصلاحات في سوق العمل والتعليم، كما أن رفع الدعم مع تجميد الدخول الحقيقية يعني تحميل الفئات الضعيفة كامل تكلفة الإصلاح، ما يضعف الطلب الكلي ويغذي الركود التضخمي، موضحاً بأن العدالة هنا شرط لاستدامة الإصلاح سياسياً واقتصادياً، لا مجرد شعار أخلاقي.
ولفت إلى أنه في ظل غياب قوانين المنافسة الفاعلة، يتحول الاقتصاد غالباً من احتكار الدولة إلى احتكار القلة أو رأسمالية المحاسيب، فالخصخصة في بيئة ضعيفة المؤسسات تحول الاحتكار العام إلى احتكار خاص مرتبط بالنفوذ السياسي، فتقسم الأسواق وتخنق دخول الشركات الصغيرة والمتوسطة، والأدلة تشير إلى أن شروط الخصخصة في بعض برامج التكيف ارتبطت بارتفاع مخاطر الفساد بدلاً من خفضها عندما غابت المساءلة.
ورأى بأن الدور الصحيح للدولة بعد الانتقال إلى اقتصاد السوق الحر في سوريا هو دور الحكم العادل والمنظم الحازم، ويبرز هذا الدور من خلال إنشاء هيئة منافسة مستقلة وقوية، وحماية المستهلك، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإنشاء شبكات أمان مستهدفة، وتحسين جودة المؤسسات العامة.
وأوضح كويفي بأن الحماية الاجتماعية والمسؤولية الاجتماعية ليسا نقيضاً لحرية السوق، بل شرطاً لنجاحه، إذ إن الحماية الاجتماعية المستهدفة تعني حماية الفئات الهشة من صدمات الأسعار، بينما المسؤولية الاجتماعية للدولة تعني بناء الإطار المؤسسي الذي يضمن المنافسة العادلة ويمنع تحول الخصخصة إلى احتكار خاص، ومن دون هذين العنصرين، يظل الانتقال إلى السوق شكلياً، وتظل قبضة الفساد والمال السياسي أقوى من قواعد المنافسة.
وختم حديثه بالقول: إن الوصول إلى الحياد الاقتصادي للدولة في سورية يتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً يبدأ بسيادة القانون وقوانين المنافسة، ويمر بشبكات أمان حقيقية، وينتهي بتحويل دور الدولة من المالك إلى الحكم، وحينها فقط تصبح حرية التجارة أداة للتنمية لا مجرد شعار.
- قومي حقوق الإنسان يبحث مع وزيرة التضامن تعزيز التعاون لحماية الفئات الأولى بالرعاية
- انتخابات التجديد النصفي الأميركية.. خريطة المنافسة ومفاتيح السيطرة على الكونغرس بالأرقام
- 2.07 مليار ريال صافي مبيعات الأجانب في "تداول" خلال أكتوبر بضغط من المؤسسات
- سلة الكرامة تضم الأميركي جاريل إيدي
- صدمة في بايرن ميونخ بعد التحديد الجديد لمدة غياب إسماعيل صيباري






