يحضر التراث السوري في قوائم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” بوصفه جزءاً من الذاكرة الحية للمجتمع، لا باعتباره موروثاً ثابتاً فحسب، بل مجموعة من المعارف والمهارات والممارسات التي تنتقل بين الأجيال وتمنح المجتمعات صلة مستمرة بماضيها وهويتها.
ومنذ انضمام سوريا إلى اتفاقية “صون التراث الثقافي” غير المادي عام 2005، تدرجت عناصر سوريّة على قوائم اليونسكو، لتصل حتى عام 2025 إلى تسعة عناصر.
اليوم، وبالتزامن مع اليوم العالمي للتراث اللامادي الذي يصادف ١٧ تشرين الأول من كل عام، نستذكر هذه العناصر التي شكلت جزءاً من الذاكرة السورية، فكان منها عناصر مرتبطة بالقائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي وأخرى تحتاج إلى صون عاجل.
أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “الوردة الشامية” في سوريا ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للبشرية، وذلك في كانون الأول عام 2019، وتتبعها ممارسات وصناعة حرفية، حيث يرتبط هذا العنصر بزراعة الورد واستخدامه في إنتاج مجموعة من المنتجات، إلى جانب المعارف والممارسات الاجتماعية المرتبطة به.
وفي عام 2021، انضم إلى القائمة “القدود الحلبية”، بوصفها شكلاً من أشكال الموسيقا التقليدية في حلب، تقوم على ألحان ثابتة تتغير كلماتها وفق المناسبة، وتؤدى في السياقات الدينية والاجتماعية والترفيهية، وتنتقل معارفها شفهياً بين المغنين والموسيقيين، كما ساهم التعليم والمؤسسات الموسيقية ووسائل الإعلام في استمرار تداولها.
وفي العام نفسه، أدرجت “الصقارة”، تراثاً إنسانياً حياً ضمن ملف دولي متعدد الدول تشارك فيه سوريا إلى جانب مجموعة من الدول، ما يعكس الطابع العابر للحدود لبعض عناصر التراث غير المادي، وارتباطها بممارسات اجتماعية وثقافية مشتركة بين مجتمعات مختلفة.
أما عام 2022، فشهد إدراج “صناعة العود” والعزف عليه ضمن ملف متعدد الدول، لتضاف حرفة صناعة الآلة ومعارفها وأساليب العزف عليها إلى قائمة العناصر التي توثق حضور الموسيقا العربية والشرقية في التراث الإنساني.
وفي عام 2024، جاء الدور على حرفة “صناعة صابون الغار” الحلبي، إحدى الصناعات التقليدية المرتبطة بمدينة حلب، بما تتضمنه من مهارات وخبرات متوارثة في صناعة الصابون واستخدام المواد المحلية وأساليب الإنتاج التقليدية.
وشهد عام 2025 إدراج عنصرين سوريين جديدين ضمن القائمة، هما “الكحل العربي”، ضمن ملف متعدد الدول، و”البشت” (العباءة الرجالية) والمهارات والممارسات المرتبطة به، ضمن ملف متعدد الدول أيضاً، وبذلك ارتفع عدد العناصر المدرجة المرتبطة بسوريا إلى سبعة.
إلى جانب القائمة التمثيلية، تضم قوائم “اليونسكو” السورية عنصرين مدرجين على قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، وهما “خيال الظل” و”نفخ الزجاج التقليدي السوري”.
فقد أدرج “خيال الظل” عام 2018، وهو فن مسرحي تقليدي يعتمد على دمى مصنوعة يدوياً تتحرك خلف شاشة شفافة، فيما تسقط الإضاءة عليها لتظهر ظلالها أمام الجمهور، ويرتبط هذا الفن بصورة خاصة بمدينة دمشق، ويجمع بين الحكاية الشفهية والشعر والغناء والموسيقا والسخرية الاجتماعية.
أما “نفخ الزجاج التقليدي السوري”، فأدرج عام 2023 على قائمة الصون العاجل، في ظل المخاطر التي تواجه استمرار الحرفة، ولا سيما تراجع عدد الحرفيين وغياب برامج تدريب منظمة لنقل المهارات إلى الأجيال الجديدة.
ولا تتوقف عملية توثيق التراث السوري عند العناصر المدرجة بالفعل؛ إذ يظهر على موقع “اليونسكو” حالياً ملف “السعفيات والألياف النباتية: التقاليد الحرفية والاجتماعية” بوصفه ترشيحاً جارياً لعام 2026 ضمن القائمة التمثيلية، وهي حرفة تقليدية تقوم على تحويل القش والقصب وسعف النخيل إلى أدوات نفعية وتحف فنية بصرية تعتمد على تجفيف النباتات ونقعها وجدلها يدوياً بحرفية ودقة عالية.
كما يجري العمل على إدراج “صناعة السفن الخشبية” على لوائح “اليونسكو” بوصفها حرفة بحرية عريقة متوارثة ترتبط تاريخياً بجزيرة أرواد الساحلية والتي تعتمد على أخشاب “الكينا” و”التوت” و”الزنزلخت”.
وكذلك الأمر بالنسبة لـ”النواعير” التي تعد معلماً مائياً وتاريخياً فريداً ارتبط بمدينة حماة ونهر العاصي لاستثمار مياهه في الري ونقل المياه.
ومن بين هذه العناصر المرتقب إدراجها أيضاً “الألعاب الخشبية” (المنقلة) وهي لعبة ذهنية تراثية عريقة تقوم على الحساب والتخطيط لنقل الحصى وتنشيط الفكر وتتألف من لوح خشبي مستطيل يضم أربع عشرة حفرة موزعة على ضفتين متقابلتين.
ويجري العمل أيضاً على إدراج “الفخار اليدوي” الذي يعتمد على الطين الطبيعي والمعجون والمشكّل يدوياً أو بالدولاب وتشوى قطعه في أفران تقليدية وتزخرف بنقوش رمزية.
بذلك، تكشف خريطة التراث اللامادي السوري في “اليونسكو” عن تنوّع واسع يبدأ من الموسيقا والغناء، ويمر بالحرف والصناعات التقليدية، وصولاً إلى العادات والممارسات الاجتماعية والفنون الشعبية، فالقدود الحلبية والعود يمثّلان جانباً من الذاكرة الموسيقية، فيما يحضر الورد الدمشقي وصابون الغار والزجاج التقليدي في جانب الحرف والمعارف المتوارثة، ويحتفظ خيال الظل بمكانه ضمن الفنون الأدائية الشعبية.
وبين عناصر أصبحت جزءاً من سجل التراث الإنساني، وأخرى تواجه خطر التراجع، وملفات جديدة تشقّ طريقها نحو القوائم الدولية، تبدو خريطة التراث اللامادي السوري أقرب إلى سجل حي لذاكرة المجتمع؛ سجل لا تحفظه الوثائق وحدها، وإنما يبقى حيّاً بقدر ما يستمر الناس في ممارسته وتعليمه ونقله من جيل إلى آخر.
- معهد الشارقة للتراث يحتفي بالموروث البحري في خورفكان
- عرض فيلم عودة كابتن كابونجا فى مهرجان الجونة السينمائى
- سوريا في فضاء “التعاون الإسلامي”.. دبلوماسية تعزيز الحضور وبناء الشراكات
- متى يرى مشروع تطوير صناعة الغزل والنسيج النور؟.. 10 مليارات جنيه تستكمل الحلم
- رئيس الاتحاد الدولي للمنسوجات يشيد بجهود غرفة الملابس الجاهزة






