يقول المثل الشعبي «الجار قبل الدار»، ويبدو أنه لقراءة الجغرافيا ودورها وحدود التعاطي معها، وأنها ليست مجرد حدود على الخريطة؛ فقد تكون باباً للتجارة والاستقرار والتنمية، وقد تتحول إلى مصدر قلق مفتوح، وبين هذين الاحتمالين تجد دمشق نفسها أمام سؤال لا يحتمل التأجيل، حماية أمنها، وإعادة بناء علاقاتها، من دون أن تصبح طرفاً في صراعات لا مصلحة لها فيها!
من هنا تكتسب تصريحات وزير الخارجية أسعد الشيباني بشأن دراسة انضمام سوريا إلى «حلف مكة» أهميتها، فالاتفاق الدفاعي الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان لا يتعلق بتنسيق عسكري عابر، بل بفكرة الردع المشترك، وتوسيع قدرة الدول على مواجهة الأخطار، وسوريا الخارجة من سنوات طويلة من الاستنزاف، والتحديات الأمنية اليومية في جنوبها السوري، وحاجتها لحلفاء أقوياء في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية وأطماعها، فإن طرح الانضمام يفتح نقاشاً ضرورياً حول مكانها في الترتيبات الإقليمية المقبلة.
برأيي، لا يجوز أن تبقى دمشق خارج هذا النقاش، ولا أن تدخل في أي حلف لمجرد البحث عن مظلة تحتمي بها. فالتحالف الجيد هو الذي يضيف إلى قوة الدولة، لا الذي يصادر قرارها. وإذا كان الانضمام سيمنح سوريا فرصاً للتعاون الدفاعي والتدريب وتبادل الخبرات، ويعزز وزنها السياسي، فهو خيار يستحق الدراسة الجدية، وفرصة تستحق الانخراط، فلا دول اليوم خارج تحالفات تعزز أمنها الجغرافي وتنمي اقتصادها، وتتحالف بمواجهة تحديات لا تستطيع مواجهتها منفردة.
أتفهم تحفظ السوري الخارج للتو من موت محقق طوال السنوات السابقة، وعدم قدرته ولا يرغب بمزيد منها ويعيد ترتيب أولياته في البناء وترميم ما دمره النظام البائد، هذه قضايا محقة ولا أتصور أن التحالف بوارد الطلب من دمشق المنهكة أصلا بدور لا طاقة لها به، والتحالف الذي لا يراعي خصوصية كل طرف وقدراته لا مصلحة لسوريا بدخوله.
أهمية التحالف زيادة عن إطاره السياسي والدفاعي لكنه يضعنا أمام ” كومة ” الاحتياجات السورية، واقع سياسي وأمني واقتصادي واجتماعي ثقيل، فالإنفاق على إعادة الإعمار والخدمات والبنية التحتية ليس شأناً منفصلاً عن الأمن الداخلي والخارجي على حد سواء، وأي شراكة دفاعية لا تراعي هذه الأولويات قد تمنح الدولة حضوراً سياسياً أكبر، لكنها تترك المواطن منتظراً أثرها الحقيقي.
ما يجعل المسألة أكثر إلحاحاً أن التطورات المحيطة بسوريا تقدم صورتين مختلفتين للجوار، فمن جهة، جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق محملة بفرص التعاون في الاقتصاد والتجارة وأمن الحدود، ومن جهة أخرى، أعادت الغارات الأردنية على الجنوب السوري، وما خلفته من ضحايا مدنيين بينهم أطفال، التذكير بأن علاقة الجيران قد تتعرض لاختبارات قاسية حين يغيب التنسيق ويُمسّ مبدأ السيادة.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول هذه الوقائع إلى تقسيم دائم بين جار صديق وآخر خصم، فالعراق والأردن شريكان بحكم الجغرافيا والمصالح، وما يجمع شعوب المنطقة أعمق من خلاف سياسي أو حادث أمني، مهما بلغت خطورته، ومن حق دمشق إدانة أي اعتداء والمطالبة بمحاسبة المسؤولين، مثلما من مصلحتها إبقاء باب الحوار مفتوحاً لمنع التكرار،فالجار قبل الدار، لكن حسن الجوار لا يقوم من طرف واحد.
ما ينبغي فهمه في سياق حلف مكة، أنه ليس بديلاً من العلاقات الثنائية مع العراق والأردن، ولا مشروعاً لإقامة جدران جديدة بين دول المنطقة، بل احتمالاً لتعزيز موقع دمشق داخل شبكة أوسع من التفاهمات. فسوريا التي تصل الخليج وبلاد الرافدين بتركيا والبحر المتوسط تستطيع أن تكون ممراً للتجارة والطاقة، لا ممراً للأزمات، لكن هذا الدور لا تمنحه الخرائط وحدها، بقدر ما تصنعه الحدود الآمنة، والقوانين المستقرة، والثقة المتبادلة، واعتقد أن مشروع توسيع الحلف قائم مستقبلاً وسيصل لجوار سوريا، فهل تبقى خارج التحالف أم تستبق الخيار بالإقدام وحصد بعض الثمار حين قطافها.
الشارع يريد التنمية أولاً وهذا حقه المشروع، ولكن من الخطأ اختزال التنمية في توقيع مذكرات التفاهم. فالمستثمر يحتاج إلى كهرباء وطرق وتأمين وحماية قانونية، والتاجر يحتاج إلى معابر تعمل بانتظام وإجراءات لا تتغير كل أسبوع، وإذا لم تُترجم العلاقات السياسية إلى هذه التفاصيل اليومية، فستبقى فرص الموقع الجغرافي مجرد حديث في المؤتمرات، وإذا لم يبادر صانع القرار للشرح وتفسير الضرورة أن لا تنمية دون تحالفات سياسية فإن التباعد بين الموقفين سيزيد المسافة في القراءة والمواقف وأن نتذكر جميعا، أن مشروع مارشال الذي رعته أمريكا عقب الحرب العالمية الثانية ما كان ليقوم لولا تحالفاته السياسية بين الطرف الغربي والامريكي، وإن تناسى الشارع فلا بد من تذكيره.
ثم إن التهديدات الإسرائيلية المتواصلة، وما يرافقها من خطاب توسعي لدى اليمين الإسرائيلي المتطرف، تجعل البحث عن توازنات إقليمية أمراً مفهوماً، وإن كان ثمة فرضية صحيحة تقول إنه ليس كل حلف يضمن تلقائياً منع كل اعتداء، ولا تكفي عبارة «الدفاع المشترك» ما لم تُعرف شروط تطبيقها وحدودها. ومن حق السوريين أن يسألوا من يقرر المشاركة؟ وما طبيعة الالتزام؟ وأين يقف القرار الوطني؟
هذه أسئلة لا تقل أهمية عن مكاسب الانضمام المحتملة، فالدولة التي تبحث عن الأمن تحتاج أولاً إلى مؤسسات قوية وجيش منظم واقتصاد قادر على الصمود، وإلى سياسة خارجية توازن بين الشراكة والاستقلال، وفي المثل الشعبي «الإيد الواحدة ما بتصفّق»، لكن الأيدي الكثيرة لا تصنع نتيجة إذا لم تتفق على الهدف.
ولهذا ينبغي أن تسبق أي خطوة نحو الحلف مناقشة صريحة لشروط العضوية وكلفتها، ومدى انسجامها مع العلاقات القائمة والتزامات البلاد الأخرى، والأهم أن تكون هناك قدرة سورية على قول «نعم» عندما تتوافق المصالح، وعلى قول «لا» عندما تتعارض، فليس كل تقارب تنازلاً، كما أن ليس كل تحفظ عزلة. ومن الأفضل أن تجري مناقشة هذه الخيارات أمام الرأي العام بقدر ما تسمح به اعتبارات الأمن والدبلوماسية.
ولذلك تبدو «دبلوماسية تصفير المشكلات» خياراً عملياً، لا شعاراً للاستهلاك. ومعناها ألا تُدفن الخلافات تحت المجاملات، بل تُدار بالتفاوض والضمانات والمصالح المشتركة.
المطلوب من دمشق أن تبني تفاهمات أمنية مع جيرانها، وأن تتوسع في شراكاتها العربية والإقليمية، من دون أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين المحاور.
وفي نهاية المطاف، لن يقيس السوري قيمة أي تحالف بعدد البيانات والصور الرسمية، بل بما يلمسه من استقرار واستثمار وعمل وخدمات، فإذا أسهم الانفتاح على حلف مكة في حماية السيادة وتهيئة بيئة التنمية، كان مكسباً، وإذا اكتفى بإضافة التزامات سياسية وعسكرية إلى بلد مثقل بالأعباء، فقد يفقد جدواه.
بقراءة ذاتية أولية، أرى أن دراسة الانضمام خطوة في الاتجاه الصحيح، شرط أن تبدأ من سؤال بسيط
ماذا تكسب سوريا، وماذا قد تخسر؟ فالجار قبل الدار، نعم، لكن الدار تحتاج أيضاً إلى من يحميها، وإلى سياسة تُبقي أبوابها مفتوحة للجيران، من دون أن تترك مفاتيحها في أيدي الآخرين.
- جوتيريش يصل دمشق في أول زيارة لأمين عام للأمم المتحدة إلى سوريا منذ 17 عاما
- سوريا توقع إعلان تعاون مع التحالف الدولي ضد "داعش"
- سوريا.. إصابة جندي وخسائر مادية جراء قصف جوي "إسرائيلي" على محيط دمشق
- خبير في الشؤون السياسية والاقتصادية: زيارة الزيدي لسوريا هندسة جديدة للعلاقات بين دمشق وبغداد
- الأولى لرئيس وزراء عراقي منذ تحرير سوريا.. الزيدي يزور دمشق اليوم ويلتقي الرئيس الشرع






