يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عامر خربوطلي أن السياحة السورية تدخل مرحلة مختلفة، لم يعد التحدّي فيها مجرد استعادة حركة الزوّار، وإنما تحويل هذا التدفّق إلى صناعة اقتصادية قادرة على جذب الاستثمار وتوليد فرص العمل وزيادة القيمة المضافة والعملات الأجنبية.
ويشير خربوطلي في حديثه لـ «عرب بريس» إلى أن ما يحدث في سوريا يختلف عن المسار المعتاد لتعافي السياحة بعد الحروب والأزمات، إذ بدأ القطاع باستعادة نشاطه سريعاً، مدفوعاً بعودة المغتربين وتزايد تدفّق السياح العرب والأجانب، الأمر الذي يعيد وضع السياحة على خريطة الاقتصاد السوري.
3.52 ملايين زائر.. والإنفاق هو المؤشر الأهم
وبحسب خربوطلي، بلغ عدد الزوّار القادمين إلى سوريا خلال عام 2026 نحو 3.52 ملايين زائر، بزيادة قدرها 111 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وسجّل السيّاح الأجانب ارتفاعاً بنسبة 448 بالمئة ليصل عددهم إلى نحو 719 ألف سائح، بينما ارتفع عدد السياح العرب بنسبة 107 بالمئة إلى نحو 664 ألفاً، وفي مقدّمتهم القادمون من الأردن ولبنان والعراق، مع تنامٍ في حركة الزوّار من دول الخليج.
أما المغتربون السوريون، فشكّلوا الشريحة الأكبر بنحو 2.13 مليون زائر، بزيادة 75 بالمئة.
ولا يقرأ خربوطلي هذه الأرقام باعتبارها مؤشراً سياحياً فقط، بل باعتبارها حركة اقتصادية تمتد آثارها إلى الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات، وتفتح المجال أمام تدفّقات إضافية من الإنفاق والاستثمار.
المشكلة ليست في الطلب
ويبرز هنا، وفق خربوطلي، أحد أهم التحدّيات أمام الاقتصاد السياحي السوري، والمتمثّل في محدودية العرض الفندقي مقارنة بالطلب المتوقّع.
فعدد الغرف الفندقية لا يزال أقل من 20 ألف غرفة، وتتركز نسبة كبيرة من الطاقة الحالية في الفنادق ذات التصنيف المنخفض، ما يعني وجود فجوة بين الطلب المتنامي وقدرة القطاع على تقديم خدمات سياحية متنوعة ومنافسة.
وهذه الفجوة، بحسب خربوطلي، يمكن أن تتحوّل من مشكلة إلى فرصة استثمارية واسعة، وخصوصاً في الفنادق والمنتجعات والمطاعم والخدمات السياحية والبنية المساندة، إلى جانب المشاريع الكبرى القادرة على تطوير وجهات سياحية متكاملة.
تنوّع المنتج السياحي
ويرى خربوطلي أن قوة السياحة السورية لا تكمن في نمط واحد، وإنما في تنوّع المنتج السياحي؛ فسوريا تمتلك مقوّمات للسياحة الطبيعية والترفيهية والأثرية والدينية والتراثية والفلكلورية، إضافةً إلى السياحة الطبية والاستشفائية وسياحة المؤتمرات والمعارض والتعليم.
وهذا التنوّع، إذا جرى استثماره ضمن رؤية متكاملة، يمكن أن يساعد في توزيع النشاط السياحي على مناطق وقطاعات مختلفة، ويجعل السياحة أكثر قدرة على الاستمرار وتوليد الدخل على مدار العام.
ويؤكد أن السياحة تحوّلت عالمياً إلى صناعة متكاملة تشمل الفنادق والمنتجعات والمطاعم والطيران والحجوزات والمعارض والمؤتمرات والمنصّات الرقمية والتسويق، وبالتالي فإن استعادة الزائر وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد سياحي قادر على المنافسة.
معرض 2027.. من الترويج إلى جذب الاستثمار
وفي هذا السياق، يضع خربوطلي مبادرة غرفة تجارة دمشق لتنظيم معرض دولي للخدمات السياحية مطلع عام 2027 ضمن مسار أوسع يهدف إلى إعادة تقديم سوريا على خريطة السياحة العالمية.
ويرى أن المعرض يمكن أن يشكّل منصة تجمع المستثمرين ومقدّمي الخدمات وشركات السياحة والطيران والفنادق والجهات المعنية، وتعرّف بالفرص الاستثمارية المتاحة في القطاع، بما يتجاوز فكرة المعرض التقليدي إلى بناء شبكة أعمال سياحية جديدة.
ويستند خربوطلي في أهمية هذه المبادرة إلى الدور التاريخي لغرفة تجارة دمشق في تنظيم المعارض والفعاليات الاقتصادية، مشيراً إلى أن بعض المبادرات التي نظّمتها الغرفة في مراحل سابقة ساهمت في تطور تجربة المعارض السورية وصولاً إلى ولادة معرض دمشق الدولي عام 1954.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد عودة الزوار
ويخلص خربوطلي إلى أن الرهان الاقتصادي الحقيقي لا يكمن في عدد الزوار وحده، وإنما في قدرة الاقتصاد السوري على تحويل هذه الزيادة إلى قيمة مُضافة واستثمارات وفرص عمل وعائدات بالعملة الأجنبية.
فالسياحة، من وجهة نظره، يمكن أن تكون أحد محركات النمو خلال المرحلة المقبلة، لكن ذلك يتطلب تطوير البنية التحتية والطاقة الفندقية والخدمات والنقل والترويج، وتهيئة بيئة قادرة على استقطاب الاستثمارات.
وبذلك، فإن عودة الزوار تمثّل بداية الفرصة، أما التحدّي الأكبر فهو بناء صناعة سياحية سورية قادرة على استيعاب الطلب وتحويله إلى نمو اقتصادي مستدام.
- 45 درّاجاً سعودياً يصلون إلى دمشق .. ووزير السياحة ل”الوطن”: رسالة محبة وتواصل
- 3.52 ملايين زاروا سوريا في نصف عام بزيادة 111%
- إطلاق أعمال ملتقى ”سوريا للسفر “.. توقعات بـ 40 مليون زائر سنوياً بعد 5 سنوات
- لو فيجارو: فنادق جديدة قرب الأهرامات ومطارات مجددة.. مصر تتطلع إلى استقطاب المزيد من الزوار الأجانب
- مركز بئر عسكر بنجران يجمع بين اعتدال أجوائه الصيفية ومناظره الخلابة






