من رسومات الكهوف إلى التجارب المعاصرة، وثّق الفن التاريخ وحفظ الهوية وفتح نوافذ للحوار في مواجهة الأزمات والحروب، فلم يعد الفن التشكيلي مجرد مساحة للجمال أو وسيلة لتزيين الجدران، إذ ارتبط منذ بدايات الإنسان بمحاولته فهم العالم من حوله والتعبير عن أفكاره ومشاعره وتوثيق تفاصيل حياته.
ومع تعاقُب الحضارات وتطور المدارس والأساليب الفنية، تحولت اللوحة والمنحوتة وسائر أشكال التعبير البصري إلى سجل مفتوح للذاكرة الإنسانية، يحفظ ما قد تعجز الوثائق المكتوبة أحياناً عن نقله.
ورأى الفنان التشكيلي غسان عقل أن الفن التشكيلي لا يندرج في إطار الترف أو التجميل فقط، وإنما يمثل حاجة إنسانية ووسيلة للتعبير تزداد أهميتها خلال الأزمات والصراعات والحروب.
وأشار إلى أن اللوحة قادرة على احتواء مشاعر الألم والصدمة والخوف عندما تعجز الكلمات عن نقلها، كما يمكن للعمل التشكيلي أن يتحول إلى وثيقة تسجل المأساة الإنسانية وتنقل صورة عنها إلى الأجيال اللاحقة.
وبيّن أن الرسم يمنح الإنسان مساحة لإعادة ترتيب العالم ضمن الورق أو القماش، ويساعده على تحويل الخوف والطاقة السلبية إلى عمل ملموس، بما قد يسهم في التعامل مع آثار الصدمات والتعافي منها.
كما لفت إلى أهمية الفن بحماية الهوية والذاكرة الجمعية، لا سيما أن الحروب لا تستهدف الإنسان والمكان فقط، وإنما قد تطول الثقافة والتاريخ والملامح التي تشكل هوية الشعوب.
ووصف عقل الفن التشكيلي بـالـ “الملاذ الآمن” لحفظ التراث والحكايات والملامح المهددة بالاندثار، بحيث تتحول اللوحة مع مرور الزمن إلى وثيقة حيّة تنتقل من جيل إلى آخر.
وأضاف: “لا يتوقف الأمر في الفن التشكيلي عند اللوحة فحسب، بحيث من الممكن أن تكون اللوحة شكلاً سلمياً من أشكال الاحتجاج، تتجاوز اللغة والحدود الجغرافية، وتقدّم بالصورة ما قد تعجز الخطب والكلمات عن قوله، وفي مواجهة مشاهد الركام والدمار، يستطيع الفن تقديم صورة مختلفة تقوم على الأمل والرغبة في النهوض، الأمر الذي يجعل الرسم، وفق رؤيته، مساحة للتعبير عن التمسك بالحياة والجمال رغم الظروف القاسية”.
وأشار إلى إمكانية توظيف الفن في مساعدة الأطفال الذين عاشوا تجارب الصراع على تفريغ مشاعرهم والتعامل مع آثار الصدمات من خلال الرسم والتعبير البصري، بعيداً عن الحاجة الدائمة إلى الكلام، كما يستطيع الفن تجاوز الاختلافات العرقية والدينية ومخاطبة الإنسان بوصفه إنساناً، وتعزيز التضامن مع الشعوب التي تعيش الحروب والأزمات.
بدوره، ربط الفنان التشكيلي معتز العمري بدايات الفن التشكيلي بحاجة الإنسان الأولى إلى التعبير، قبل ظهور الكتابة، مستشهداً بالرسومات التي تركها الإنسان القديم على جدران الكهوف، لا سيما أنه مع مرور الزمن تطور الرسم والنحت واتسعت وظائفهما، فتحولا إلى وسيلة لتوثيق مراحل تاريخية وحضارات متعاقبة، مشيراً إلى أن جانباً مهماً من معرفتنا بالحضارات القديمة جاء من خلال ما تركته من رسوم ومنحوتات، وهو ما أتاح للأجيال اللاحقة التعرف إلى أنماط الحياة والمعتقدات والتقاليد التي كانت سائدة آنذاك.
ولفت العمري إلى أنه في العصر الحديث حضر الفن في التعبير عن التحولات السياسية والاجتماعية، كما ساهم في توثيق الثورات والأحداث والشخصيات، قبل أن تتوسع مجالاته ليصبح جزءاً من الحياة اليومية ومصدراً للجمال، من خلال رسم الطبيعة والزهور والمناظر وحياة الناس.
وأكد العمري أن الفن ساهم أيضاً في تطوير الفكر والذائقة البصرية، مع تنوع التجارب والأساليب وظهور مدارس واتجاهات فنية متعددة، منها الواقعية والتجريد والسريالية والتكعيبية والحداثة، وصولاً إلى التجارب المعاصرة التي تواصل البحث عن لغات بصرية جديدة.
بدوره، شارك الفنان أحمد كمال في التأكيد على أن الفن التشكيلي بدأ كوسيلة للتعبير عن الأشياء قبل أن تعرف البشرية الكتابة، ثم تطور تدريجياً ليصبح أداة للتوثيق والتعبير الجمالي، وصولاً إلى حضوره في تفاصيل الحياة اليومية.
ورأى أن الرسوم والمنحوتات التي خلفتها الحضارات القديمة شكلت مصدراً مهماً للتعرف إلى تاريخها وثقافتها، كما ساهم الفن في انتقال الخبرات والأفكار بين الحضارات، إذ كانت الأعمال الفنية تعكس طبيعة المجتمعات التي أنتجتها والبيئات التي نشأت فيها.
وأكد أن الفن حافظ في العصر الحديث على حضوره في تسجيل الأحداث والتحولات، لكنه لم يعد محصوراً في التوثيق، بل أصبح أيضاً مجالاً لتطوير الذائقة البصرية والفكرية، عبر المدارس والاتجاهات الفنية المختلفة التي قدمت رؤى وأساليب متنوعة في التعامل مع الشكل واللون والفكرة.
- نصائح لتجنب تراكم المشكلات الصغيرة بين الزوجين والحفاظ على استقرار الأسرة
- تطوير ميادين أسوان.. تصميمات وإبتكارات المبدعين تحافظ على الهوية البصرية
- “الكلمة تبني”.. فهل تنهض الدراما بالمجتمع أم تهدم قيمه؟
- مسرح السور يفتح أبوابه للنجوم.. عمالقة الفن في ضيافة الكويت
- البابا تواضروس: الهوية القبطية جزء أصيل من الهوية الوطنية المصرية






