من ديفيد كاميرون إلى آندي بيرنهام، تعاقب سبعة رؤساء وزراء على بريطانيا منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، من دون أن تنجح تبدلات القيادة في إنهاء الضغوط التي تطارد الحكومات المتعاقبة، وبين ضعف النمو وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة بالسياسة، تبدو المشكلة أعمق من أداء رئيس وزراء بعينه، فكيف يمكن لحكومة أن تنجز إصلاحات تحتاج إلى سنوات، بينما قد لا تملك قيادتها الوقت الكافي لاستكمال ولايتها؟
المتابع للتغيرات التي طرأت على السياسة البريطانية يدرك أن الاضطراب بدأ من استفتاء راهن فيه كاميرون على بقاء بلاده في الاتحاد الأوروبي، ثم امتد إلى تيريزا ماي التي أخفقت في تمرير اتفاق الانسحاب، وبوريس جونسون الذي غادر تحت ضغط الفضائح والانقسامات، قبل أن تختصر ليز تراس هشاشة الوضع في 49 يوماً، كما لم ينهِ ريشي سوناك حالة عدم اليقين، بينما لم يتمكن كير ستارمر من تحويل فوز العمال في انتخابات 2024 إلى نهاية واضحة للأزمات، ليتولى بيرنهام رئاسة الحكومة في تموز الماضي.
أغلبية لا تضمن الاستقرار
تكشف هذه التجربة أن امتلاك المقاعد لا يعفي رئيس الوزراء من حسابات حزبه، فعندما تتراجع الشعبية أو تتعثر الوعود الاقتصادية، يخشى النواب خسارة دوائرهم، ويتحول تغيير القيادة إلى محاولة لاحتواء الخسائر، لكن تبديل القائد يفرض بدوره كلفة على الإدارة، تتمثل في إعادة توزيع المسؤوليات، وتعديل الأولويات، وإبطاء قرارات تتطلب تنسيقاً بين الوزارات واستمرارية في التمويل والتنفيذ.
بموازاة ذلك، وفي تناولها لمستقبل العلاقة مع أوروبا، أشارت صحيفة “الغارديان” إلى أن الاتفاقات المحدودة مع بروكسل لا تمثل تحولاً جذرياً، ما دامت الحكومة متمسكة بخطوطها الحمراء بشأن السوق الموحدة والاتحاد الجمركي وحرية التنقل، وهي قيود تتصل بمعضلة أوسع تتعلق بقدرة الحكومات على تغيير المسار من دون إحداث انقسامات سياسية سبق أن أربكت البلاد لسنوات.
العودة إلى أوروبا .. حسابات معقدة
في السياق، أعاد بيرنهام خيار التقارب الأعمق مع الاتحاد الأوروبي إلى النقاش العام، وصولاً إلى عدم استبعاد العضوية الكاملة مستقبلاً، لكن الرغبة في تصحيح مسار “بريكست” لا تعني أن إعادة الانضمام باتت قريبة، فالحكومة ما زالت تواجه التزاماتها الانتخابية، والانقسام بين الأحزاب، والحاجة إلى تفويض شعبي واضح، فضلاً عن مفاوضات مع دول الاتحاد وفق شروط لن تكون بالضرورة مماثلة للامتيازات التي حصلت عليها بريطانيا سابقاً.
كما أن العودة إلى السوق الموحدة ستثير أسئلة حرية التنقل والالتزام بالقواعد الأوروبية، بينما تتطلب العضوية الكاملة مساراً تفاوضياً وموافقة الدول الأعضاء، وهكذا فإن الاختبار لا يقتصر على تحديد العلاقة المناسبة مع بروكسل، بل يشمل قدرة الحكومة على إقناع البريطانيين بأن كلفة الخيارات ومكاسبها مفهومة ومقبولة.
المعضلة، في النهاية، تكمن في أن تغيير رئيس الوزراء أسرع من تغيير الظروف التي تحكم عمله، وما لم تستطع الحكومة بناء توافق يسمح باستمرار السياسات وتقييم نتائجها على مدى زمني كافٍ، فقد يبقى تبدل القيادة حدثاً سياسياً كبيراً، من دون أن يصبح بالضرورة تغييراً ملموساً في حياة المواطنين.
أسرة التحرير
- ماكرون وسانشيز: المملكة المتحدة مرحب بها للعودة إلى الاتحاد الأوروبي
- 10 سنوات على البريكست.. تداعيات اقتصادية وسياسية عميقة في بريطانيا
- جارديان: فرنسا توافق على انضمام بريطانيا لتشريع صنع في أوروبا بشروط
- OpenAI تضع علامة خفية داخل نصوص ChatGPT.. لكن تغيير 20% من الكلام قد يهزمها
- تكهنات حول إجراء انتخابات مبكرة فى بريطانيا.. ماذا قالت زعيمة المحافظين؟





