دمشق: محمد العويد
لا يقل دور المجتمع السوري ومكوناته في مواجهة التحديات الجارية في الداخل السوري وخارجه أهمية عن الدور الحكومي. فواحدة من أهم أدوار المجتمع أن يؤجل استقطاباته أمام نوعية التحولات عندما تتعلق القضية بالهوية السورية، وأن ينتقل، بدلاً من إطفاء الحرائق، إلى البحث في جذورها، وتفعيل أدوات إخمادها ورصدها قبل اشتعالها.
هل يؤثر ذلك على الاستحقاقات الداخلية؟
التوغلات الإسرائيلية جنوباً وتهديداتها الدائمة للوطن السوري مسألة يومية، ومثال حاضر، والموقف الجمعي منها يُفترض لدى كل سوري، داخل الوطن وخارجه، ولا يتعارض مع المطالب المجتمعية بتحسين الوضع الاقتصادي والأداء الحكومي، ولا مع أي ملف داخلي آخر.
المسألة هنا تتعلق بترتيب الأولويات عندما تكون التحولات كبيرة بحجم يهدد البيت وأهله، لا سمح الله.
يمكن للسوري أن يطالب بتحسين الكهرباء، وتأمين فرص العمل، وتحسين الخدمات، ومحاسبة المقصر، وفي الوقت نفسه أن يقف ضد أي اعتداء على أرضه وسيادته، لا تناقض بين الأمرين.
في اللحظات التي يصبح فيها الخطر متصلاً بوجود الدولة وسلامة أراضيها، فإن الأولويات تحتاج إلى قدر من الوعي، وتأجيل الخلافات الصغيرة لا يعني إلغاءها.
حتى الآن، لم ألحظ، كمتابع إعلامي، حراكاً سورياً يوازي حجم التحديات في ساحات القرار العالمي، لا تنظيماً ولا تنديداً ولا موقفاً يليق بحجم التحديات المطروحة على المستوى الوطني، وهي تحديات يفترض أن تكون الجسر الجامع بين السوريين ومكوناتهم، وبين أحزابهم ونشطاء السياسة والقانون والإعلام، وبين ما يمكن أن يقدمه الداخل ويكمله الخارج، للتأثير والضغط وكشف الحقائق أمام صانع القرار السياسي في عواصم القرار العالمي.
هذه ليست مهمة الحكومة وحدها، فالسوريون في الخارج، بما يملكونه من خبرات وعلاقات ومساحات حركة، يستطيعون أن يكونوا جزءاً من أدوات التأثير، والأحزاب تستطيع أن تنتقل من بيانات المواقف إلى ملفات موثقة، والحقوقيون والقانونيون يستطيعون بناء ملفات قانونية حول الانتهاكات والاعتداءات، والإعلاميون يستطيعون نقل الرواية السورية إلى الخارج بلغة يفهمها العالم، بعيداً عن الانفعال والتعبئة التي أرهقت السوريين خلال سنوات طويلة.
لماذا لا نرى، مثلاً، مبادرات سورية مشتركة تتجاوز الانقسامات الحزبية والمناطقية لمخاطبة البرلمانات والمؤسسات الدولية ووسائل الإعلام ومراكز الدراسات حول التهديدات التي تواجه سوريا؟ ولماذا لا يتحول السوري صاحب الخبرة في عاصمة غربية إلى جزء من شبكة وطنية تعمل على ملف محدد، بدلاً من أن يبقى كل فرد يعمل منفرداً؟
قد تختلف الإجابات، لكن المؤكد أن ثمة فراغاً ملحوظاً، وأن غياب الصوت السوري المنظم يترك الآخرين يتحدثون عن سوريا نيابة عن أهلها.
سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى إطفاء الحرائق، ولا تكمن المشكلة في حادث أمني هنا، أو انفجار في محطة غاز وتوليد كهرباء هناك، ولا في معرفة من يقف خلف هذه العملية أو تلك فحسب.
السؤال الأهم هو لماذا ننتظر الحريق حتى يشتعل، ثم نبحث عن رجل الإطفاء؟ وغالبا يجري تحميل الأجهزة الحكومية مسؤوليات قد لا تقوى على حملها لظروف متباينة وقدرات لم تكتمل بعد.
ولماذا تغيب الأحزاب السورية ونشطاء السياسة والقانون والإعلام عن مجمل الملفات الوطنية، بدءاً من الموقف من التوغلات الإسرائيلية، وليس انتهاءً بخطاب الاستقطاب وتقسيم الناس إلى مؤيد ومعارض، وتسميات تلبسها الطائفية، فيما تحاول الدولة اليوم ردم الحفرة الكبيرة التي خلفها النظام البائد؟
المسألة ليست في أن يتفق الجميع على رؤية سياسية واحدة، فهذا غير ممكن، وربما غير صحي، ولا أحد يريده، حتى في أجهزة الدولة، المجتمع الحي هو الذي يختلف، لكن الخلاف يجب ألا يتحول إلى خصومة مع الوطن، ولا إلى مبرر لاستدعاء الانقسامات الطائفية والمناطقية، والوقوف “محايدا” أو “محللاً سياسياً، في ذروة التحولات الكبيرة.
ثمة سلطة قد تكون لنا جميعا، ملاحظات على أدائها وخطها وبرامجها، وهذا حق سياسي ومجتمعي لا ينبغي مصادرته، لكن ممارسة هذا الحق لا تعني تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة مع الدولة، ولا تعني ترك المجال لخطاب يقسم السوريين إلى معسكرات متقابلة.
هنا تحديداً تتضاعف مسؤولية المجتمع، فأمام انتشار الشائعات وترويجها قبل التثبت منها، وحين يظهر خطاب تحريضي على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يكفي أن نطلب من الحكومة التدخل وحدها، هذه” نار في هشيم” ولا ينبغي “أن ندفن رؤوسنا في الرمال” ونؤجل أدوارنا.
أعتقد أنها مسؤولية السياسي والمثقف والإعلامي ورجل الدين والأكاديمي، ومسؤولية المواطن العادي أيضاً، في الداخل وفي المغتربات، فالكلمة التي تبدو عابرة على شاشة هاتف قد تتحول، في بيئة مشحونة، إلى وقود لانقسام أكبر.
الأمر ذاته ينطبق على الأزمة الاقتصادية وتحميل الحكومة وحدها مسؤولية معالجتها.
ألا يحق السؤال أين رجال الأعمال السوريون؟ وأين الاقتصاديون وأصحاب الشركات والكفاءات في الداخل والخارج؟ هؤلاء جزء من الحل أيضاً.
ليس المطلوب أن يحل المجتمع مكان الحكومة وأجهزتها ووظائفها، لكن بالقدر نفسه لا ينبغي أن يبقى في دائرة «التلويم»، بل أن يتحول من متلقٍ أو مراقب محايد إلى شريك فاعل في صناعة الحلول، كل من موقعه وإمكاناته.
فالبلد الذي خرج من قهر وعذابات سنوات طويلة لا يواجه تحدياته السياسية والأمنية منفرداً، ثمة تراكم من الأزمات، بدءاً من السلاح المنتشر، والاقتصاد المنهك، والبنية التحتية المدمرة، والمؤسسات التي تحتاج إلى إعادة بناء، ومجتمع ما زال يحمل الكثير من الخوف وانعدام الثقة.
كل هذه القضايا الوطنية تحتاج إلى سوري شريك في مواجهتها قبل استفحالها، ولا ينفع الندم بعد فوات الأوان.
ليس هدف مقالي “التلويم” على أحد، بقدر ما هي مكاشفة في الواجبات، وعدم التأخر وكأن المُنتظر “مخلص من السماء”.
الدول لا تُبنى إلا بتكاتف سواعد أبنائها وهمتهم، وحرصهم على تصفير الانقسامات في الملمات الكبيرة، لأنها ببساطة تعني المغترب واللاجئ كما تعني الداخل والحكومة.
في الملمات الكبيرة، تكون البوصلة دوماً نحو الخطر المشترك، والمتمثل بالتهديد الوجودي، فالتجارب القريبة والبعيدة تقول إن الشراكة والمسؤولية والوقاية أدوار مجتمعية قبل أن تكون قرارات حكومية. ومعالجة الانقسام والتحديات الوطنية ليست قرارات مكتوبة بقدر ما هي جهد تراكمي لمجتمع يراقب، وينبه، ويقترح، ويختلف، لكنه لا يحرق الجسر مع الدولة ولا مع الآخر.
مجتمع يحتاج إلى أحزاب تتنافس على البرامج لا على تخوين السوريين، وإلى إعلام ينتقد من دون أن يحرض، وإلى نخب تستخدم معرفتها للتأثير لا للاصطفاف، وإلى سوريين في الخارج يرون أنفسهم جزءاً من وطنهم، لا مجرد متابعين” انتقائيين” لأخباره.
ليس المطلوب أن نتفق على كل شيء، بل أن نعرف متى نختلف، ومتى تكون مصلحة سوريا أكبر من خلافاتنا، ومتى يصبح تأجيل الاشتباك السياسي ضرورة وطنية لا تنازلاً عن المواقف.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه جميعاً اليوم، حكومة ومجتمعاً وأحزاباً ونخباً ومواطنين، ماذا فعلنا نحن قبل أن نسأل ماذا فعلت الحكومة؟
فلعلنا نكون قد وضعنا أقدامنا على بداية الطريق الصحيح.
التحدي السوري اليوم، ليس حكومياً فقط، بقدر ما هو مسؤولية وطنية لا يستطيع طرف واحد أن يحملها وحده.
- السوري على جياد المحافل الدولية… والتحديات الوطنية الجامعة
- الاتصالات السورية: ممر ألياف ضوئية يربطنا مع والأردن والسعودية وصولاً إلى عُمان
- رئيس أركان الاحتلال: نعمل في جبهات متعددة تتغير فيها التحديات وسوريا واحدة منها
- جوتيريش يصل دمشق في أول زيارة لأمين عام للأمم المتحدة إلى سوريا منذ 17 عاما
- عون: لن نفرط في أي شبر من أرض لبنان وحان وقت مغادرة زمن الحروب





