قرع خبير تحليل المخاطر وإدارة الأزمات طريف عطورة ناقوس الخطر حول طوفان المياه الذي شهدته حلب أخيراً، مبيناً أن ما حدث يجب ألا يُعامل كحادثة مطرية عابرة تنتهي بانحسار المياه “بل هو إنذار هندسي وبيئي وإداري”.

وأوضح عطورة في حديث لـ”الوطن” أن المدينة التي تريد أن تتوسع وتستعيد دورها الصناعي والتجاري وتبني «حلب الكبرى»، “لا يمكن أن تستمر بمنظومة صرف تعالج الاختناقات عند وقوعها، ولا بمنظومة صناعية تفتقر إلى المعالجة الكافية، ولا بأحواض تتلقى مياه الصرف من دون حل بيئي مستدام”.
وبيّن أن غمر مياه الأمطار لعدد من الشوارع والأحياء والمحال وتشكيل السيول والتجمعات المائية في مواقع مختلفة من المدينة “لم يكن مجرد نتيجة لهطلات مطرية غزيرة تجاوزت في بعض المواقع القدرة الاستيعابية لشبكة التصريف، بل كان اختباراً حقيقياً كشف هشاشة منظومة الصرف وتصريف مياه الأمطار في المدينة، وأعاد إلى الواجهة مشكلة عمرها سنوات، لم تعد تحتمل المعالجة الإسعافية أو التأجيل واتخاذ الإجراءات الوقائية وتنظيف المطريات والمجاري التي تبدأ عادة في الشهر الثامن من كل عام، مما سبب أضرارا بالغة في الممتلكات”.

وعزا ما حدث إلى “غزارة الهطلات ومحدودية الطاقة الاستيعابية لبعض المقاطع والمطريات وامتلاء مجاري التصريف وانسداد أو اختناق عدد من المصارف بالمخلفات والأتربة، إضافة إلى الحاجة المستمرة إلى صيانة وتجهيز مضخات الرفع في المواقع الحيوية، ومنها نفقا تشرين والتوحيد”.
وفرّق بين أمرين: “الأمطار الغزيرة التي قد تتجاوز بالفعل القدرة التصميمية لأي شبكة، لكن تراكم المياه لفترات طويلة نتيجة انسداد المصارف أو ضعف جاهزية منظومة التصريف مسألة أخرى، وهي مسؤولية يمكن الوقاية منها والاستعداد لها مسبقاً، فالمشكلة ليست وليدة اليوم وإن ما ظهر على سطح المدينة هو جزء من مشكلة أعمق، إذ إن شبكة الصرف الصحي في حلب واسعة وقديمة، وتعرضت أجزاء منها خلال السنوات الماضية لأضرار الحرب والزلزال والاهتراء ونقص الصيانة، في وقت توسعت فيه المدينة عمرانياً وسكانياً وصناعياً بصورة كبيرة”.

وأشار إلى أن الشركة العامة للصرف الصحي في حلب امتلكت سابقاً قطاعات وكوادر فنية وآليات تخصصية موزعة على أحياء المدينة وتتولى بصورة مباشرة أعمال الصيانة والتسليك والتشغيل والمعالجة “أما بعد دمجها ضمن المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، فقد تراجعت؛ حسب الواقع الذي يلمسه العاملون والمتابعون، بعدما تسربت أعداد كبيرة من الكوادر الفنية المتخصصة، وتعطلت بعض الآليات، وتراجعت القدرة على تأمين التجهيزات والصيانة، في ظل محدودية الموازنة المالية المخصصة لهذا الغرض”. وتساءل: “هل ما تزال منظومة الصرف في حلب تمتلك الإمكانات البشرية والفنية والآلية التي تتناسب مع حجم المدينة ومساحتها وعدد سكانها وتوسعها العمراني؟”.
عطورة، شدد على أن الأخطر أن قضية الصرف الصحي في حلب لا تتوقف عند مياه الأمطار “فحلب مدينة صناعية كبرى، وتضم مدناً ومناطق صناعية وحرفية واسعة، وفي مقدمتها المدينة الصناعية في الشيخ نجار، ومع ذلك ما تزال الحاجة قائمة إلى منظومة متكاملة لمعالجة مياه الصرف الصناعي، وفق طبيعة كل نشاط صناعي والملوثات الناتجة عنه، إذ إنه ليس من المنطقي هندسياً وبيئياً أن تعامل المياه الناتجة عن الصناعات الكيميائية أو النسيجية أو الغذائية أو الهندسية و دباغة الجلود بالطريقة نفسها التي تعامل بها مياه الصرف المنزلية، فالصرف الصناعي يحتاج إلى معالجة أولية ومتخصصة داخل المنشأة الصناعية، ثم معالجة مناسبة على مستوى المنطقة الصناعية قبل طرح المياه ضمن المنظومة العامة”.
وحول وجهة ومصير مياه الصرف، لفت إلى واحدة من أخطر حلقات المشكلة في ظل غياب منظومة معالجة رئيسية متكاملة وفعالة تستوعب حجم الصرف الناتج عن المدينة وتوسعها “حيث تتجه كميات كبيرة من مياه الصرف نحو المصبات والأحواض الواقعة جنوب حلب، ومن بينها حوض الحسة، الذي تحوّل مع تراكم المياه الملوثة وارتفاع منسوبها إلى قضية بيئية تتجاوز حدود مدينة حلب، ومع استمرار تدفق مياه الصرف الصحي والصناعي إلى هذا الحوض وارتفاع منسوبه بصورة كبيرة يعني أننا لا نتعامل فقط مع مشكلة تصريف، وإنما مع بؤرة تلوث بيئي واسعة يمكن أن تنعكس آثارها على التربة والمياه الجوفية والمناطق الزراعية والبيئة المحيطة، وتمتد تداعياتها إلى مناطق تقع ضمن نطاق حلب وإدلب وحماة، وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة بيئية وهيدرولوجية عاجلة، لا إلى انتظار ظهور آثار التلوث بصورة أكثر وضوحاً. فالمياه الملوثة لا تختفي عندما تخرج من المدينة؛ بل تنتقل المشكلة إلى مكان آخر”.
ونوه بأن حلب تواجه اليوم مشكلتين متوازيتين “من الأعلى؛ مياه الأمطار التي تعجز بعض أجزاء منظومة التصريف عن استيعابها، فتغمر الشوارع والأحياء، ومن الأسفل؛ مياه الصرف الصحي والصناعي التي لا تجد منظومة معالجة متكاملة تستوعبها، فتتراكم في الأحواض والمصبات، مع ما يحمله ذلك من مخاطر بيئية وصحية ومائية. وبين الاثنين تقف شبكة قديمة تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة، ومصارف مطرية تحتاج إلى تنظيف وصيانة دورية، ومحطات رفع تحتاج إلى جاهزية دائمة، وكوادر وآليات تحتاج إلى دعم حقيقي”.
وعن الحلول الممكنة، أعرب خبير تحليل المخاطر وإدارة الأزمات عن اعتقاده بأنها لا تكمن في فتح مصرف بعد غمر الشارع ولا في تنظيف المطريات بعد بدء العاصفة ولا في إنشاء محطة واحدة بمعزل عن بقية المنظومة “فحلب تحتاج إلى مشروع متكامل للصرف الصحي والصرف الصناعي وتصريف مياه الأمطار، يبدأ من المصدر وينتهي بالمصب الآمن، ويجب أن يتضمن مسحاً هندسياً شاملاً لشبكات الصرف ومصارف الأمطار وتحديد نقاط الاختناق والانهيار والتسرب، و برنامجاً سنوياً ملزماً لتنظيف المطريات والمجاري المطرية قبل موسم الأمطار، وليس بعد حدوث الفيضانات، مع صيانة وتجهيز محطات ومضخات الرفع، وخاصة المواقع الحساسة والأنفاق وإعادة تأهيل الآليات التخصصية وتأمين قطع تبديلها، واستعادة الكوادر الفنية المتخصصة ورفد المنظومة بخبرات هندسية وفنية جديدة وإعادة تأهيل محطة المعالجة الرئيسية أو إنشاء منظومة معالجة حديثة بطاقة تستوعب حاجة حلب الحالية والمستقبلية”.
وأضاف طريف عطورة: “من الحلول أيضا، إنشاء محطات معالجة متخصصة في المدن والمناطق الصناعية، وإلزام المنشآت الصناعية بالمعالجة الأولية قبل طرح مياهها في الشبكة العامة، وإجراء مسح دوري للمياه الجوفية والتربة ومواقع المصبات والأحواض، وخاصة منطقة حوض اللنتشو، علاوة على وضع خطة علمية لإدارة الحمأة الناتجة عن محطات المعالجة والتخلص منها بصورة آمنة وإعداد مخطط استراتيجي للصرف الصحي والصناعي وتصريف مياه الأمطار لحلب الكبرى حتى عام 2050 وربطه بالمخطط التنظيمي والتوسع العمراني والصناعي”.
وأكد أنه لا يجوز أن يسبق العمرانُ البنيةَ التحتية “فمن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نستمر في التوسع العمراني والصناعي ثم نسأل بعد سنوات: أين سنصرف المياه، حيث يجب أن تسبق البنية التحتية للصرف العمران لا أن تلحق به، ولا يجوز الترخيص لأي تجمع سكني أو صناعي جديد من دون تحديد واضح لمصدر المياه، وشبكة الصرف، وطاقة المعالجة، ومصير المياه المعالجة، وطريقة التخلص من الحمأة، والطاقة المطلوبة للتشغيل، وآلية الرقابة البيئية”.
وختم حديثه بالقول إن إعادة الإعمار ليست أبنية وطرقاً وجسوراً فقط “فإعادة الإعمار الحقيقية تبدأ من البنية التحتية التي لا يراها المواطن: من الأنابيب تحت الأرض، والمصارف، ومحطات الرفع، ومحطات المعالجة، والمختبرات، والمياه الجوفية، وطوفان اليوم كشف ما تحت الشوارع كما كشف ما فوقها، وإذا كان طوفان المطر قد أغرق شوارع حلب لساعات، فإن طوفان الصرف الصحي والصناعي المتراكم قد يهدد مياهها وتربتها وبيئتها لعقود”، مشددا على أن القرار يجب أن يكون واضحاً: “لا توسع عمرانياً أو صناعياً من دون بنية صرف توازيه، ولا إعادة إعمار حقيقية لحلب من دون حل جذري لمنظومة الصرف والمعالجة، ولا يجوز أن تتحول مياه حلب الملوثة إلى مشكلة تورّثها المدينة للأجيال القادمة”.
- خبير جيولوجى: التوزيع غير المتجانس للمياه أبرز تحديات الأمن المائى فى أفريقيا
- مياه أسيوط ترفع درجة الاستعداد لموسم الأمطار، تخصيص خط ساخن للخدمة
- رفع حالة الطوارئ وإيقاف الإجازات.. مياه الغربية تنهى استعدادتها لاستقبال فصل الشتاء.. صور
- مياه القناة تكثف استعداداتها لموسم الأمطار.. تطهير شنايش وغرف التصريف
- وزير الري: المياه أساس التنمية والأمن الغذائي في إفريقيا وهذه روشتة تنفيذ رؤية 2063






