نستذكر اليوم، صوتاً ارتبط بوجدان السوريين وأصبح جزءاً من ذاكرتهم الجمعية عبر أناشيده التي صدحت بالحرية والصمود والأمل، تاركاً إرثاً فنياً وإنسانياً لا يزال حاضراً في القلوب، شاهداً على قوة الكلمة وقدرتها على حفظ الذاكرة وإحياء الحكاية.
إنه حارس الثورة وبلبلها، عبد الباسط الساروت، الذي لا يزال صوته حاضراً في وجدان السوريين، رمزاً للكرامة والتضحية والأمل، ليبقى أيقونة خالدة وإرثاً في ذاكرة الأجيال، وشاهداً على إرادة شعب آمن بحقه في الحرية والكرامة.
ولد عبد الباسط ممدوح الساروت عام 1992 في حي “البيّاضة” في مدينة حمص، لأسرة تنحدر من الجولان المحتل، نشأ في بيئة بسيطة ومحافظة، وسط عائلة كبيرة معظم أفرادها استشهدوا خلال الثورة.
إنه شاب بدأ حياته حارساً لمرمى نادي الكرامة ومنتخب الشباب السوري، قبل أن يتحوّل إلى حارس لكرامة وطن بأكمله، وعندما انطلقت الثورة حمل صوته قبل أن يحمل أي شيء آخر، فصار الهتاف سلاحه الأول والنشيد رايته والكلمة الحرة خندقه المتقدّم في مواجهة الاستبداد.
اللافت أن مسيرة الساروت اختصرت مسيرة الثورة نفسها، فمن المظاهرات السلمية في أحياء حمص إلى الحصار ثم التهجير ثم ساحات القتال، ظلّ الرجل يتحرّك مع الثورة في كل تحوّلاتها، وكأن حياته كانت مرآة لمسارها الكامل، لم يغادرها عندما اشتدت التضحيات، ولم يتراجع عندما فقد إخوته وأفراداً من عائلته ورفاق دربه، بل بقي ثابتاً على العهد الذي اختاره منذ الأيام الأولى.
وحين استشهد عام 2019، ظن كثيرون أن صفحة من صفحات الثورة قد أُغلقت إلى الأبد، لكنّ ما حدث لاحقاً أثبت العكس، فقد رحل الجسد وبقي الأثر، بقيت الأناشيد تتردّد، وبقيت الصور مرفوعة، وبقيت الحكاية تنتقل من جيل إلى جيل.
ثم جاءت لحظة انتصار الثورة لتمنح سيرة الساروت بُعداً جديداً؛ إذ بدا وكأن الرجل الذي غاب قبل سنوات كان حاضراً في كل ساحات الفرح التي عمّت البلاد، فالأصوات التي صدحت احتفالاً بالحرية كانت في كثير من الأحيان تستعيد كلماته وأهازيجه، وكأن النشيد الذي وُلد في زمن المحنة عاد ليشارك في صناعة زمن الانتصار.
وهنا نجد أن القيمة الحقيقية التي يمثّلها الساروت اليوم لا تقتصر على كونه رمزاً ثورياً، بل تمتد إلى كونه نموذجاً للشباب السوري القادر على تحويل الحلم إلى مشروع حياة، فجيل الثورة الذي واجه القمع وانتزع الحرية هو نفسه الجيل المدعو اليوم إلى خوض معركة مختلفة؛ معركة البناء والإعمار واستعادة ما دمّرته سنوات الحرب.
وقد أدرك السوريون مبكراً أن أناشيد الساروت كانت بمثابة نبض جماعي يعيد إنتاج الأمل كلما حاول اليأس التسلّل إلى النفوس، كان صوته يشبه نهر العاصي حين يفيض خارج ضفافه، يجرف الخوف ويترك مكانه مساحة واسعة للشجاعة والإيمان بالمستقبل، وعندما كان يهتف “جنة جنة جنة يا وطنا”، لم يكن يرسم صورة حالمة بعيدة عن الواقع، بل كان يزرع في الوجدان السوري يقيناً بأن الوطن الذي يستحق التضحية لا بدّ أن يستعيد حريته يوماً.
يبدو عبد الباسط الساروت أكثر حضوراً من أي وقت مضى، ليس لأنه أصبح جزءاً من الذاكرة فقط، بل لأنه تحوّل إلى جزء من المعنى الذي قامت لأجله الثورة السورية، انتصر الساروت يوم اختار الوقوف مع شعبه، وانتصر يوم ارتقى شهيداً ثابتاً على مبادئه، ثم انتصر مرة أخرى حين انتصرت الثورة التي غنّى لها وقاتل من أجلها.
- نقيب محامي حلب لـ”الوطن”: ألف محام عادوا للنقابة فصلهم النظام البائد لموقفهم من الثورة
- رسائل قوية من السيسي للمصريين تتصدر ختام منتدى مصر 2026
- رئيس لجنة المنافذ العامة في “الشعب” لـ”الوطن”: مشروع قانون خاص بالمعابر الحدودية
- وزير الأوقاف: الاحتفال بمولد السيد البدوي بعيد عن الدجل والشعوذة (فيديو)
- أوقاف الفيوم تنظم سلسلة ندوات بمراكز الشباب ضمن مبادرة صحح مفاهيمك






