تُشكّل أزمة المازوت في سوريا أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الوطني، لكون المادة محركاً أساسياً لا غنى عنه في تشغيل مختلف الأنشطة الإنتاجية والخدمية ، وفق مايرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية باسل كويفي ، الذي اعتبر بأن الأزمة تحولت إلى عامل ضغط بنيوي يعيد تشكيل خريطة التكاليف والأسعار والقدرة الشرائية.
الأثر على القطاعات الإنتاجية
وأكد كويفي في تصريح لـ «عرب بريس» بأن المازوت لا يقتصر على كونه مادة استهلاكية، بل هو مدخل رئيسي للإنتاج، فعلى صعيد القطاع الصناعي، تعتمد أغلب المنشآت على المازوت لتشغيل مولدات الكهرباء في ظل التقنين الحاد، وبالتالي فقد أدى نقصه اليوم إلى تراجع الطاقة الإنتاجية وتوقف بعض المعامل كلياً ، وبالنسبة للقطاع الزراعي ، فيُعد المازوت عنصراً حيوياً لتشغيل مضخات الري والجرارات ونقل المحاصيل، وقد تسبب شحه في تأخير الزراعة وتقليص المساحات المزروعة، اما بالنسبة لقطاع النقل والشحن، فقد أصيب بشلل جزئي نتيجة نقص مادة المازوت ما أثر على توزيع البضائع بين المحافظات.
مضاعفة التكاليف
ورأى بأن أزمة المازوت تنعكس على هيكل التكاليف عبر مسارين، الأول هو الارتفاع المباشر لأسعار الوقود نتيجة الفجوة بين الإنتاج المحلي والاعتماد على الاستيراد في ظل شح الإمدادات وتكاليف الشحن العالية نتيجة حرب المضائق بزيادة تتراوح بين 25 و30 بالمئة، أما المسار الثاني فهو تكلفة “عدم التوافر” أو التكلفة الخفية، وذلك عندما يضطر المستهلكون لتأمين المادة من السوق السوداء بأسعار باهظة، فضلاً عن هدر الوقت وأجور النقل الإضافية وتأخر تسليم العقود، ما يرفع التكلفة النهائية للسلعة بشكل أكبر.
الانعكاس على السوق
وأشار كويفي إلى أن زيادة التكاليف نتيجة شح المادة ينعكس مباشرة على المستهلك، من خلال ارتفاع أسعار كل السلع الأساسية نتيجة زيادة تكلفة نقل السلع وتشغيل المعامل ، ويأتي ذلك وسط تراجع في الدخل والأجور، ما يدفع شرائح واسعة نحو مستويات أقسى من الفقر، وتتحول التدفئة في الشتاء إلى عبء يلتهم القسم الأكبر من دخل الأسرة.
المعالجة المطلوبة
وأوضح كويفي بأن التعامل مع هذه الأزمة يتطلب وضع رؤية تتجاوز الحلول الإسعافية، والتي يجب أن تتضمن الإسراع في إعادة تأهيل المصافي وزيادة الإنتاج المحلي لتقليل فاتورة الاستيراد، وتنويع مصادر التوريد عبر اتفاقيات طويلة الأجل، وتشديد الرقابة على قنوات التوزيع لمحاربة السوق السوداء والتهريب، إضافة إلى العمل على تشجيع التحول إلى الطاقات البديلة، وخاصة الشمسية، لتخفيف الضغط على المازوت.
وطالب كويفي بضرورة إنشاء “صندوق استقرار للطاقة ” باعتباره يتيح امتصاص الصدمات السعرية العالمية الحادة عند ارتفاعها، ويحمي الأسواق المحلية من التذبذبات العنيفة المفاجئة، ويوفر آلية تمويلية مرنة لدعم القطاعات الإنتاجية الحساسة في أوقات الأزمات، بما يجعل الاقتصاد الوطني أكثر قدرة على الصمود في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة.
وختم حديثه بالقول: إن أزمة المازوت ليست مجرد أزمة وقود، ومعالجتها تتطلب مقاربة هيكلية تعيد بناء العلاقة بين الطاقة والإنتاج والاستهلاك على أسس أكثر استدامة، لأن استقرار الطاقة “عصب الحياة” شرط أولي لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي.
- المازوت مفقود والأسعار تشتعل.. ما الحل؟
- "الطاقة الدولية": أزمة الطاقة العالمية تدفع إلى تسريع التحول نحو المصادر المتجددة
- أزمة هرمز تشعل أسعار الطاقة.. هل تعود أيام الأحد بلا سيارات في أوروبا؟
- أزمة الطاقة تضرب أوروبا.. 100 مليار يورو تكلفة إضافية والغاز تحت الضغط
- أزمة الديزل تضرب العالم بسبب هرمز.. وكالة الطاقة الدولية تتحرك لعقد اجتماع




