بحث وزير المالية محمد يسر برنية، مع بعثة فنية من صندوق النقد الدولي برئاسة برين باترسبي، إطلاق المرحلة الثانية من مشروع بناء نموذج التوقعات الاقتصادية الكلية والإطار المالي المتوسط المدى، وذلك في مستهل زيارة البعثة إلى دمشق التي تستمر أسبوعاً.
وتهدف المرحلة إلى تطوير إطار مالي يربط الإيرادات والنفقات والدين العام بالأهداف المالية، استناداً إلى توقعات اقتصادية موثوقة وإدارة فاعلة للمخاطر، ضمن إصلاحات النظام المالي الأساسي.
الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم رأى في حديثه لـ”الوطن” أنه يمثل إطلاق المرحلة الثانية من مشروع التوقعات الاقتصادية الكلية والإطار المالي المتوسط المدى خطوة مؤسسية مهمة في الاتجاه الصحيح، لكن قيمتها الحقيقية لن تُقاس بالإعلان عنها ما سيحكم عليها هو قدرتها على إنتاج موازنة 2027 بأرقام أكثر واقعية من موازنة 2026، ونشر نتائجها للرأي العام بصورة منتظمة وقابلة للتحقق.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من أرقام الموازنة الحالية نفسها فقد قدّرت الوزارة الإنفاق العام في موازنة 2026 بنحو 10.5 مليارات دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف إنفاق 2025، مقابل إيرادات مقدرة بنحو 8.7 مليارات دولار يأتي 28 بالمئة منها من النفط والغاز، غير أن تقرير الأداء نصف السنوي كشف فجوة واضحة بين التقدير والتنفيذ، فقد بلغت الإيرادات نحو 2.7 مليار دولار مقابل إنفاق بنحو 3.7 مليارات دولار، بعجز يقارب مليار دولار، ولم تتجاوز الإيرادات المحققة 31 بالمئة من التقدير السنوي، في حين بلغ تنفيذ النفقات نحو 35 بالمئة.
وحتى مع مراعاة أن بعض الإيرادات موسمية وتتركز في النصف الثاني من العام، فإن هذه الفجوة تشير إلى أن تقديرات الإيرادات كانت متفائلة، وهذا تحديداً ما يُفترض أن يعالجه الإطار المالي المتوسط المدى، فالخطر الأكبر في أي موازنة ليس العجز المعلن، بل العجز الذي يظهر لاحقاً، لأن الإيرادات لم تأتِ كما قُدّرت، فتضطر الحكومة إلى الاقتراض أو تأجيل الإنفاق أو اللجوء إلى التمويل النقدي الذي يغذي التضخم ويضغط على سعر الصرف.
الإطار المالي المتوسط المدى
ولفهم ما يعنيه هذا المشروع عملياً، أوضح عبد الكريم أنه لا بد من توضيح المفهوم الأساسي، فالإطار المالي المتوسط المدى أداة تخطيط تربط تقديرات الإيرادات والنفقات والدين العام لثلاث إلى خمس سنوات بتوقعات النمو والتضخم وسعر الصرف، فتحدد الحكومة مسبقاً حجم ما تستطيع إنفاقه وحجم العجز الذي تستطيع تمويله من دون أن تقع في أزمة.
ويختلف هذا عن إطار الإنفاق المتوسط المدى الذي يأتي في مرحلة لاحقة ويوزع السقوف الإجمالية على الوزارات والبرامج تفصيلياً، أما نموذج التوقعات الاقتصادية الكلية فهو الأساس الذي يقوم عليه الإطار كله، لأن أي خطأ في تقدير النمو أو سعر الصرف ينتقل مباشرة إلى تقدير الإيرادات.
والانتقال من موازنة سنوية تُعد عاماً بعام إلى تخطيط متعدد السنوات يعني عملياً أن الحكومة ستعرف مبكراً احتياجاتها التمويلية، وتلتزم بأولويات إنفاق ثابتة، وتقلل القرارات المالية المفاجئة التي اعتاد السوريون عليها لعقود.
المخاطر المالية تتجاوز أرقام الموازنة
وأضاف عبد الكريم: من هنا تأتي أهمية مراجعة فريق الصندوق لتقديرات الوزارة وتحليلها للمخاطر المالية. والمقصود بالمخاطر المالية كل ما قد يجعل الأرقام الفعلية تنحرف عن المخطط، مثل تراجع أسعار النفط أو تقلب سعر الصرف.
ويدخل فيها أيضاً ما يُعرف بالالتزامات الاحتمالية، وهي التزامات غير مسجلة في الموازنة لكنها قد تقع على عاتق الدولة فجأة، كخسائر المؤسسات العامة والمصارف الحكومية ومتأخرات قطاع الكهرباء والطاقة، وفي الحالة السورية، حيث ورثت الدولة مؤسسات عامة متعثرة وتشابكات مالية معقدة، قد يكون رصد هذه الالتزامات أهم من بناء النموذج ذاته.
ويبقى العائق الأساسي هو البيانات برأي عبد الكريم، فقد حذّر الصندوق نفسه من استمرار الفجوات فيها، وأكد أن مساعدته الفنية ستشمل بناء أنظمة أفضل لجمعها وتحليلها فأي نموذج تنبؤ، مهما كان متطوراً، لا يتجاوز في دقته جودة البيانات التي يُغذّى بها، وسورية ما زالت تفتقر إلى حسابات قومية محدّثة وتقديرات موثوقة لحجم الاقتصاد غير الرسمي.
أما من حيث التوقيت فيرى أنه من غير الواقعي توقع أن يكون الإطار المالي متوسط المدى مطبقاً بالكامل في موازنة 027. فالوزارة أعلنت أن الموازنة ستُناقش في مجلس الشعب خلال الربع الأخير من 2026، أي أن معظم أرقامها باتت شبه محسومة ما يمكن تحقيقه واقعياً هو تحسين افتراضات الإيرادات، وإرفاق الموازنة بتقدير أولي متعدد السنوات وبيان للمخاطر المالية، على أن يكتمل الإطار تدريجياً في موازنات 2028 و2029.
وفيما يخص التقارير الفصلية، فإن قيمتها تتوقف على شيء واحد تساءل عبد الكريم: هل ستُنشر للعموم أم ستبقى وثائق داخلية؟
وأشار إلى أن الوزارة بدأت بالفعل مساراً إيجابياً، إذ يُعد تقرير النصف الأول الإصدار الثالث في سلسلة إفصاح مالي تهدف إلى الانتقال من نشر الموازنة المعتمدة إلى نشر نتائج تنفيذها الفعلي دورياً.
ولفت عبد الكريم إلى أن المطلوب أن يتطور ذلك إلى تقارير فصلية منشورة تتضمن الإيرادات حسب المصدر، والنفقات حسب البنود، ورصيد الدين العام ومصادر تمويل العجز، ومقارنة المحقق بالمخطط. فهذا ما يحتاجه المستثمرون والمؤسسات الدولية للحكم على مصداقية السياسة المالية.
- موازنة 2027.. كيف تواجه الحكومة عجز 2026؟
- هل نجحت التسهيلات الضريبية في زيادة الحصيلة وتحقيق أهداف وزارة المالية؟
- من الأصول إلى الإيرادات.. الحكومة تضع خريطة جديدة لإصلاح الهيئات الاقتصادية
- من فائض 2025 إلى عجز 2026.. ماذا تغيّر في المالية السورية؟
- أرباح "تام التنموية" تهبط 80% بالنصف الأول من العام لانخفاض الإيرادات






