توقع عالم من مركز سانت بطرسبرغ الفيدرالى للأبحاث التابع للأكاديمية الروسية للعلوم أن يسهم الذكاء الاصطناعى فى تسريع الاكتشافات الرياضية خلال السنوات القليلة المقبلة، بما يتيح الوصول إلى نتائج كان تحقيقها سيستغرق وقتا أطول بكثير بالاعتماد على الجهود البشرية وحدها، وأوضح أن التحدى الرئيسى لن يتمثل بالضرورة فى إنتاج البراهين الرياضية، بل فى قدرة العلماء على التحقق من صحتها وفهمها وتفسيرها ودمجها فى المعرفة الرياضية القائمة، بحسب تصريحات نقلتها صحيفة "ناوكا ميل".

مخاطر الذكاء الاصطناعى
وجاء هذا التوقع على لسان الدكتور مكسيم أبراموف، الحاصل على درجة الدكتوراه فى الهندسة، والأستاذ المشارك ورئيس مختبر الذكاء الاصطناعى التطبيقى فى المركز التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، وقال أبراموف إنه إذا استمر التطور الحالى على الوتيرة نفسها، فقد تشهد السنوات المقبلة ظهور نتائج سيقول المجتمع الرياضى أن الوصول إليها كان سيستغرق وقتا أطول بكثير لولا الذكاء الاصطناعى، لكنه دعا فى الوقت نفسه إلى الحذر عند وصف أى اكتشاف بأنه لم يكن ممكنا للبشر من دونه، بحسب science.mail الروسى.
وكلاء الذكاء الاصطناعى يرفعون حجم الحسابات
وأشار أبراموف إلى صعوبة إثبات أن اكتشافا رياضيا لم يكن ممكنا من دون الذكاء الاصطناعى، لأن هذا الوصف يعتمد على افتراض يصعب التحقق منه، وقال أن المعيار الأكثر دقة هو الحديث عن "نتيجة لم يكن ليحققها فريق بشرى لديه وقت وميزانية مماثلان"، بدلا من الجزم بأن البشر لم يكونوا قادرين على الوصول إليها مطلقا، ويرى أن هذا التمييز مهم لفهم الدور الفعلى للذكاء الاصطناعى فى تطوير البحث الرياضى.
ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول الزيادة السريعة فى عدد وكلاء الذكاء الاصطناعى الذين يمكن تشغيلهم فى الوقت نفسه لحل مسألة رياضية واحدة، واستشهد أبراموف بمشاريع حديثة لشركة OpenAI، إذ استخدمت دراسة تتعلق بانتظام معادلات أويلر نحو 100 وكيل عملت لمدة تقارب 50 ساعة، بينما ارتفع العدد فى مشروع متعلق بمعادلات نافيير-ستوكس إلى نحو 10000 وكيل، ووفقا للأرقام الواردة فى التقرير، استُخدم العدد نفسه تقريبا من الوكلاء فى مشروع نافيير-ستوكس لمدة 88 ساعة، بما يعكس التوسع فى حجم الموارد الحسابية المخصصة لهذه المسائل.
ولا يقتصر التطور على زيادة عدد الوكلاء وساعات العمل، بل يشمل أيضا ظهور نتائج متقاربة فى أوقات متقاربة لدى مجموعات بحثية مختلفة، وذكر أبراموف أن عالِمَى الرياضيات تريستان باكماستر وليفنت ألبوجى أعلنا نتائج مماثلة باستخدام نماذج أخرى، قبل وقت قصير من إعلان OpenAI نتائجها، ويجعل هذا التقارب من الصعب تحديد ما إذا كان اكتشاف معين قد أصبح ممكنا بفضل الذكاء الاصطناعى وحده، أم أن المجتمع الرياضى كان يقترب منه بالفعل عبر مسارات بحثية متعددة.
التحقق من البراهين قد يصبح التحدى الأكبر
مع استمرار تطور النماذج، يرى أبراموف أن إنتاج نتيجة رياضية قد لا يكون العقبة الأساسية فى المستقبل، بل قد تتحول عملية التحقق من الأدلة وفهمها إلى التحدى الأكبر، فالنماذج الحديثة تستطيع إنشاء سلاسل طويلة ومعقدة من الاستدلال الرياضى، لكن صحة النتيجة من الناحية الشكلية لا تعنى بالضرورة أن العلماء أصبحوا قادرين على فهم جميع خطواتها أو تقييمها بسهولة، ويشير أبراموف إلى أن علماء الرياضيات يلاحظون أن قراءة البراهين التى ينتجها الذكاء الاصطناعى تكاد تكون مستحيلة فى الوقت الحالى.
وتبرز مشكلة أخرى مع الزيادة السريعة فى عدد الأبحاث والنتائج الرياضية المنشورة، إذ يصبح من الصعب على المجتمع العلمى مواكبة تقييمها ومراجعتها، وأوضح أبراموف أن موقع arXiv يضع قيودا على عدد الأبحاث الجديدة التى يمكن للمؤلف الواحد تقديمها، وهو ما يمثل عائقا إضافيا أمام النشر واسع النطاق للنتائج المدعومة بالذكاء الاصطناعى، ويرى أن هذه التحديات قد تؤدى تدريجيا إلى تغيير المعايير التى يستخدمها العلماء لتحديد أهمية الاكتشافات الرياضية وتقييم قيمتها العلمية.
وأكد أبراموف أن المعيار الأساسى فى المستقبل قد يصبح قدرة البشر على فهم النتيجة وقبولها، بدلا من التركيز على مجرد الوصول إليها، وقال: "لذلك، سيكون المعيار الرئيسى هو ما إذا كان الناس قادرين على فهم النتيجة وقبولها، ويصبح تحقيقها أمرا ثانويا"، مشيرا إلى أن القيمة العلمية للاكتشاف ستظل مرتبطة بمدى إمكانية استيعابه والتحقق منه.
وفى الوقت نفسه، يؤكد الباحثون أن المشاركة البشرية لا تزال ضرورية فى مراحل البحث المختلفة، إذ يتولى علماء الرياضيات اختيار المسائل وتوجيه عملية البحث عن الحلول والتحقق من صحة الحجج، كما تخضع النتائج لمراجعة إضافية من قبل النظراء، ويعتقد أبراموف أن الجمع بين القدرات الحسابية المتنامية للذكاء الاصطناعى والمراجعة البشرية يمثل النموذج الأكثر واقعية للبحث الرياضى خلال المستقبل القريب، بما يتيح الاستفادة من سرعة النماذج مع الحفاظ على التحقق العلمى من النتائج.
- قبل أن تصدق ما تراه.. 7 خطوات تكشف الفيديوهات المزيفة وخدع الذكاء الاصطناعى
- ساتيا ناديلا يحذر من الثقة فى الذكاء الاصطناعى.. كيف يتحول AI لتهديد؟
- الذكاء الاصطناعى فى خدمة الشائعات.. كيف تكشف الفيديو المفبرك؟
- الذكاء الاصطناعى يخرج عن السيطرة؟.. OpenAI تنفق 500 ألف دولار يوميا للتحقيق
- إشارات الذكاء الاصطناعى تكشف حدود الخصوصية على أجهزة ماك






