"الآلة لا تعرف شعور فقدان شخص ما، ولم تقع يوما في الحب"، بهذه الكلمات يختصر المخرج الأمريكي ترافيس نايت رؤيته لحدود الذكاء الاصطناعي في المجالات الإبداعية، معتبرا أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، تظل عاجزة عن امتلاك التجربة الإنسانية التي تمنح الفن روحه ومعناه.
الآلة تفتقر للتجربة الإنسانية
ويرى نايت، رئيس استوديو "لايكا" (Laika) ومديره التنفيذي، أن الذكاء الاصطناعي يستوعب تاريخ الفن والإبداع الذي أنتجته البشرية، ثم يعيد تقديمه كما لو كان نتاجا جديدا، واصفا هذه العملية بأنها "انتحال وسرقة"، في موقف يعكس تمسكه بالحرفية الإنسانية في صناعة الرسوم المتحركة.
"وايلدوود".. التحدي الأضخم للاستوديو
وتتجسد هذه الرؤية في أحدث مشروعات الاستوديو وأكثرها طموحا، فيلم "وايلدوود" (Wildwood)، الذي أخرجه نايت ويُعرض حاليا في دور السينما، بعد سنوات من العمل الدقيق على تحريك الشخصيات والمجسمات وتصويرها إطارا بإطار، في تجربة فنية تضع اللمسة البشرية في صميم العملية الإبداعية.
وقال نايت، في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، إن تقنية الإيقاف الحركي (Stop-motion)، التي تعتمد على تحريك المجسمات وتصويرها في لقطات متتابعة، تتيح للفنانين التحكم في كل تفصيل يظهر على الشاشة، بدءا من تصميم الشخصيات وصولا إلى العناصر الصغيرة في المشاهد، وهو ما يجعل كل لقطة نتاجا لقرار فني وعمل يدوي.
وتعود بداية مشروع "وايلدوود" إلى عام 2010، عندما قرأ نايت مسودة مبكرة من رواية الفانتازيا التي تحمل الاسم نفسه، للكاتب كولين ميلوي، والصادرة عام 2011. وفي ذلك الوقت، لم يكن استوديو "لايكا" قد أنتج سوى فيلم روائي طويل واحد، هو "كورالاين" (Coraline) الصادر عام 2009.
ووصف نايت التجربة في بدايتها بأنها "مُثيرة ومخيفة في الوقت نفسه"، موضحا أنه لم يكن يعرف كيف يمكن تحويل الرواية إلى فيلم، وأن متطلبات القصة تجاوزت الإمكانات التي كانت متاحة للاستوديو آنذاك، لما تتضمنه من معارك واسعة النطاق، وشخصيات كثيرة، ومشاهد ضخمة.
روح بورتلاند في تفاصيل خيالية
وتدور أحداث الفيلم حول بريو ماكيل، التي تؤدي صوتها الممثلة بيتون إليزابيث لي، وهي فتاة مراهقة تدخل عالما سحريا مخفيا داخل غابة تحيط بمدينة بورتلاند في ولاية أوريجون الأمريكية، حيث يقع مقر الاستوديو في ضاحية هيلزبورو.
وأوضح نايت أن "وايلدوود" يتجاوز في حجمه جميع مشروعات الاستوديو السابقة، إذ يبلغ ضعف حجم فيلم "كوبو والخيطان"(Kubo and the Two Strings)، الذي كان يمثل في وقت إنتاجه أضخم عمل خاضه الفريق.
وأشار إلى أن مشهد المعركة في نهاية الفيلم كان أصعب التحديات التقنية التي واجهها الاستوديو، لافتا إلى أن الشخصية الرئيسية تتعرض لجرح في وجهها أثناء المعركة، الأمر الذي يستلزم تحديد الإطار الدقيق الذي يظهر فيه الجرح، ثم الحفاظ على استمراريته خلال الدقائق الـ15 التالية من الفيلم، على الرغم من أن مشاهد الإيقاف الحركي لا تُصور بالضرورة وفق ترتيب الأحداث.
وفيما يتعلق بالعنف والموضوعات الناضجة التي يتناولها الفيلم، قال نايت إن "وايلدوود" هو أول فيلم ينتجه الاستوديو ويحصل على تصنيف PG-13، الذي يعني أن بعض محتواه قد لا يكون مناسبا للأطفال دون 13 عاما، مشيرا إلى أن هذا التصنيف يتلاءم مع الموضوعات المعقدة التي قد لا يكون الأطفال الأصغر سنا مستعدين لاستيعابها.
وأضاف أن السينما المعاصرة تميل عموما إلى مخاطبة الجمهور الشاب بطريقة تقلل من قدراته على الفهم، على الرغم من أن الشباب يختبرون الفقد ويعرفون معنى الخوف، مؤكدا أن فريق العمل لم يرغب في تقديم العنف باعتباره مشاهد متواصلة من إطلاق النار، على غرار فيلم "جون ويك" (John Wick).
وأوضح أن إحدى الشخصيات تضطر إلى ارتكاب فعل عنيف، لكنه لا يُقدَّم باعتباره انتصارا، بل يحمل طابعا مأساويا.
ويولي الفيلم اهتماما خاصا بمدينة بورتلاند وطبيعتها ومعالمها، إذ يرى نايت أن للأماكن شخصياتها المميزة، وأن المدينة تتمتع بطابع استثنائي. وأضاف أن العالم الذي يصوره "وايلدوود" يستلهم أجمل ما في ولاية أوريجون، من خلال مواقع طبيعية متعددة اختيرت لإضفاء طابع جمالي وخيالي على الأحداث.
ويتضمن الفيلم أيضا إشارات إلى شخصيات حقيقية في المدينة، من بينها رجل يُعرف باسم "يونيبايبر" (Unipiper)، يظهر في أحد المشاهد وهو يقود دراجة أحادية العجلة، مرتديا قناع شخصية دارث فيدر، ويعزف مزمار القربة الذي تنطلق منه ألسنة اللهب.
وقال نايت إن هذه الشخصية حقيقية، وإن الرجل زار الاستوديو وسجل اللحن الذي يعزفه في الفيلم بنفسه، موضحا أن العمل يستند إلى أماكن وشخصيات واقعية في بورتلاند.
وبينما تتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجالات الإبداعية، يتمسك نايت بفكرة أن الفن لا يقتصر على إنتاج صور متقنة تقنيا، بل يرتبط أيضا بالخبرات والمشاعر الإنسانية التي تقف وراءها، معتبرا أن الآلات، مهما بلغت قدرتها على المحاكاة، لا تستطيع أن تحل محل التجربة البشرية التي تمنح العمل الفني روحه.
- جيمس جراى: الذكاء الاصطناعى لا يمثل تهديدًا للمبدعين والإنسان سر السينما
- SpaceX تقترض 40 مليار دولار لشراء رقائق الذكاء الاصطناعى
- خبير رسوم متحركة: الذكاء الاصطناعى يدعم الإنتاج ولا يعوض الإبداع البشرى
- بيتكوين تكسر حاجز 80 ألف دولار هبوطاً وسط ضغوط قطاع الذكاء الاصطناعى
- دراسة: الذكاء الاصطناعى زاد أعباء 85% من الموظفين






