خلود البيانات.. هل نترك خلفنا أثرا أم وزرا؟

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خلود البيانات.. هل نترك خلفنا أثرا أم وزرا؟, اليوم الأربعاء 15 أبريل 2026 09:01 مساءً


​ماذا لو استمر نبضك الرقمي بعد أن يتوقف نبضك الحقيقي؟ هذا السؤال لم يعد ضربا من خيال كتاب «الديستوبيا» أو أفلام السينما، بل بات واقعا تقنيا موثقا؛ حيث حصلت شركة ميتا (Meta) مؤخرا على براءة اختراع تتيح للذكاء الاصطناعي إبقاء حسابات المستخدمين قيد التشغيل بعد وفاتهم. الفكرة تكمن في قدرة الخوارزميات على محاكاة سلوكك السابق، وتحليل منشوراتك، ومقاطع الفيديو الخاصة بك، وحتى نبرة صوتك، لتبدأ بنشر المحتوى والمراسلة وكأنك ما زلت حيا. نحن أمام «خلود رقمي» مصطنع، يحول بياناتنا إلى كائنات حية تتحدث باسمنا، وتتحرك في فضاءات التواصل الاجتماعي دون إذن من وعينا الغائب.

​إن هذا التطور التقني يضعنا أمام مواجهة حتمية مع مفهوم «الأثر» في أعمق تجلياته. فالمسألة هنا لم تعد مجرد تكنولوجيا مبهرة، بل هي استنساخ لجوهر الإنسان القيمي. حين يحاكي الذكاء الاصطناعي سلوكك، فهو في الحقيقة يعيد إنتاج اختياراتك؛ فإذا كان مسارك الرقمي حافلا بالبناء والنفع، سيستمر هذا الكيان الآلي في بث الخير، أما إذا كان السلوك غارقا في السطحية أو السوء، فإن الآلة ستستمر في حفر خنادق السيئات الجارية دون توقف. إنها «المرآة الرقمية» التي تعكس حقيقة ما زرعناه في سنوات عمرنا، لتطرح التساؤل الوجودي الأهم: ماذا سيقول «أنا الرقمي» عني حين أغادر «أنا الحقيقي»؟

وفي خضم هذا الصخب الرقمي، تستوقفني مشاهد تعكس خللا حادا في ترتيب الأولويات لدى البعض، ولعل أغربها ما قرأته مؤخرا في تغريدة تقترح قائمة بـ(300) فيلم لمشاهدتها في شهر رمضان المبارك! إنني هنا لا أحكم على أشخاص، بل أحلل فعلا ينافي أبسط قواعد العقل والروح. كيف يمكن لعاقل أن يحول شهر الغنيمة والعبادة إلى ماراثون بصري مفرغ من المعنى؟ إن اقتراح 300 فيلم لثلاثين يوما ليس مجرد سوء تقدير للوقت، بل هو دعوة لتبديد الوعي وقتل الروحانية في أثمن أوقات العام. إن المحبين الصادقين في هذا الشهر الفضيل لا يتواصون بـ«قوائم المشاهدة»، بل بـ«مآثر الصالحين» وبذل المعروف؛ فمن العجز أن نشتري «اللهو» في زمن يباع فيه «الرضوان».

إننا حين ننشر شيئا، فإننا في الحقيقة نلقي حجرا في بحيرة الحياة، والدوائر التي يصنعها هذا الحجر لا تتوقف عند حدود شاشاتنا. كل استحسان لخير، وكل نصيحة مخلصة، وكل دعوة لهدى هي بمثابة غرس نزرعه في قلوب الآخرين. إن وسائل التواصل الاجتماعي هي موازين الوعي؛ فبقدر ما تفيض به حساباتنا من نفع، بقدر ما نبني جبالا من الأجر والسكينة. الكلمة أمانة، والموقف رسالة، والجمال الذي تنثره اليوم هو الذي سيزهر في طريقك غدا، حين يكون لكل نبضة أثر، ولكل حرف حكاية تروى في ملكوت السماء.

​إننا بحاجة ماسة لاستعادة وعينا الفطري تجاه ما نضخه في هذه المنصات. إن المقايضة هنا ليست على (لايك) أو (إعادة تغريد)، بل هي مقايضة على «المصير». لقد وضع لنا نبينا الكريم ﷺ القاعدة الذهبية في هذا الشأن حين قال: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا. هذا الحديث هو «الدستور الرقمي» الذي يجب أن يضعه كل من يملك حسابا في وسيلة تواصل نصب عينيه قبل أن تلامس أنامله لوحة المفاتيح. إن الكلمة أمانة، والنصيحة مسؤولية، والقدوة رسالة عابرة للأجيال.

ختاما، إننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نكون أسيادا لبياناتنا، نوظفها فيما يبني الإنسان ويعلي من شأن الفطرة، أو نكون عبيدا لشهوة النشر والظهور، فتتلقفنا خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتجعل منا أشباحا تبث السوء بعد رحيلنا. اجعل حسابك الرقمي مسجدا للذكر والخير، أو مكتبة للنور والعلم، ولا تجعله مقهى للغيبة أو سينما للهو المفرط. ولا تنسى أن النبض الرقمي الذي تتركه خلفك هو سيرتك الثانية؛ فاجعل أثرك طيبا، ليبقى ذكرك حيا في قلوب الخلق، مقبولا عند الخالق سبحانه، كغيمة مرت، فسقت، ثم غادرت وهي تترك الأرض مخضرة بالجمال.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق