نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قرار الحرب دون تفويض: هل يواجه ترامب مأزقا دستوريا؟, اليوم الأحد 12 أبريل 2026 11:31 مساءً
يثار الجدل في السياق الأمريكي حول قدرة الرئيس على العودة إلى عمل عسكري ضد إيران، غير أن الإشكال لا يفهم على نحو صحيح إذا اختزل في سؤال: هل يستطيع الرئيس أن يقرر الحرب؟ فالنظام الدستوري الأمريكي لا يمنع الرئيس من اتخاذ قرار عسكري أولي، لكنه لا يترك له حرية تحويل هذا القرار إلى حرب ممتدة خارج إطار الرقابة التشريعية. ومن ثم فإن المسألة ليست في أصل القدرة، بل في حدودها الزمنية والسياسية، وفي كيفية إدارة هذا القرار بما يحفظ التوازن بين السلطات.
من حيث التأصيل، يمنح الدستور الرئيس صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهي صفة تفسر عمليا بأنها تخوله اتخاذ إجراءات عسكرية عاجلة دون انتظار موافقة الكونغرس، خاصة في الحالات التي يدعى فيها وجود تهديد أو ضرورة لحماية المصالح الأمريكية. وقد جرت الممارسة السياسية الأمريكية على قبول هذا القدر من المبادرة التنفيذية، بما يسمح للرئيس بالتحرك في اللحظة الأولى، دون أن يكون ذلك إعلانا لحرب مكتملة الأركان.
غير أن هذا الإطار لا يبقى مفتوحا؛ إذ تدخل القيود التشريعية لتحدد حدود الاستمرار. فقد جاء قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 ليضع تنظيما دقيقا لهذه المسألة، فأوجب على الرئيس إبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من إدخال القوات في أعمال عدائية أو في وضع ينذر بها، كما قرر أن استمرار العمليات لا يجوز أن يتجاوز مدة 60 يوما، ما لم يصدر تفويض صريح من الكونغرس أو إعلان حرب، مع إمكانية تمديد محدود لأغراض الانسحاب. وبهذا، فإن المشرع الأمريكي فرق بين قرار البداية الذي قد ينعقد للرئيس، وقرار الاستمرار الذي يعود في أصله للسلطة التشريعية.
وعند تنزيل هذا الإطار على الحالة محل النقاش، يتضح أن عودة ترامب إلى عمل عسكري ضد إيران ممكنة من حيث القرار الأولي، لكنها تظل مقيدة من حيث الامتداد. فالرئيس يستطيع أن يأمر بضربة محدودة أو عملية عسكرية سريعة، إلا أن تحويل هذه الخطوة إلى مسار طويل يضعه مباشرة أمام قيد المهلة الزمنية، ويعيد الملف إلى الكونغرس، سواء عبر طلب التفويض أو عبر مواجهة ضغط تشريعي متصاعد.
في هذا السياق، يبرز دور الكونغرس بوصفه الجهة التي تملك أدوات متعددة للتأثير في القرار العسكري. فقد يسعى إلى تمرير قرارات تلزم الرئيس بوقف العمليات أو بالرجوع إليه، كما يملك أداة أكثر فاعلية تتمثل في التحكم في التمويل، وهو ما يجعل أي حرب ممتدة رهينة بموافقته الضمنية أو الصريحة. وإلى جانب ذلك، تمارس اللجان البرلمانية دورا رقابيا عبر جلسات الاستماع وطلب الإيضاحات، بما يزيد الكلفة السياسية لأي تصعيد غير مبرر.
وعند الانتقال إلى التحليل السياسي، يتبين أن سلوك ترامب في إدارة الأزمات لا يقوم غالبا على الانخراط في حروب طويلة، بقدر ما يقوم على تحقيق أثر سريع يمكن تقديمه بوصفه إنجازا. فخطابه يميل إلى التصعيد اللفظي، يتبعه تحرك محدود، ثم إعلان نتيجة تقدم في إطار النصر أو تحقيق الهدف. وهذا النمط يحقق له مكسبا سياسيا مع تجنب الدخول في التزامات عسكرية طويلة قد تستدعي تدخل الكونغرس وتفتح باب الخلاف الداخلي.
وعليه، فإن احتمال عودة ترامب إلى الحرب لا يستبعد من حيث القدرة، لكنه يقرأ في ضوء هذا التوازن؛ فإذا عاد، فالأرجح أن يكون ذلك في صورة عمل عسكري محدود يحقق هدفا محددا، ثم يصار إلى تقديمه بوصفه إنجازا يغني عن التوسع. أما الانخراط في حرب مفتوحة، فإنه يحمله أعباء دستورية وسياسية ومالية، ويضعه في مواجهة مباشرة مع الكونغرس، وهو مسار لا يتفق مع مصلحته السياسية ما لم تفرضه ظروف استثنائية، كوقوع هجوم مباشر أو تصعيد لا يمكن احتواؤه.
خلاصة الأمر أن النظام الأمريكي لا يمنع الرئيس من اتخاذ قرار عسكري في بدايته، لكنه يقيد استمراره بقيود زمنية وتشريعية واضحة. وفي ضوء ذلك، فإن إدارة هذا القرار لا تقوم على مجرد استخدام القوة، بل على تقدير لحظة التوقف، حيث يتحول القرار من أداة قوة إلى عبء دستوري إذا تجاوز حدوده. ومن هنا، فإن الخيار الأكثر اتساقا مع الإطار القانوني والسلوك السياسي هو تصعيد محسوب يعقبه إعلان إنجاز، بما يحفظ هيبة القرار دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.












0 تعليق