نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الكمال... وهم إداري تسقطه تقلبات الواقع, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 11:34 مساءً
يتغير الإنسان حين يريد... وأحيانا حين لا يريد. هذه الحقيقة التي تبدو لأول وهلة أقرب إلى التأمل الفلسفي، تعكس في جوهرها واقعا إنسانيا مركبا، يتجاوز التفسيرات السطحية التي تربط التغيير بالإرادة وحدها. فليست كل التحولات التي نمر بها نتاج قرار واع، بل إن جزءا معتبرا منها يفرض علينا بفعل ظروف خارجية، لا نملك لها دفعا.
من هنا، يتكشف أحد أكثر المفاهيم التباسا في حياتنا المعاصرة: «الكمال». ذلك الهدف الذي يسعى إليه كثيرون بوصفه غاية نهائية، بينما هو في حقيقته بناء ذهني هش، لا يصمد أمام تعقيدات الواقع. فالكمال يفترض ضمنا أن الإنسان قادر على التحكم الكامل في مآلاته، وأن الإرادة كافية لتوجيه النتائج في كل الأحوال، وهو افتراض يتهاوى عند أول اختبار حقيقي.
ماذا لو أدير مشروع بأعلى درجات التخطيط، وبذلت فيه أقصى طاقات الإرادة، ثم جاءت متغيرات خارجية - اقتصادية أو تنظيمية أو حتى إنسانية - لتعيد تشكيل نتائجه بالكامل؟ هل يمكن في مثل هذه الحالة الحديث عن كمال لم يكتمل، أم أن الإشكال في أصل الفكرة ذاتها؟
إن السعي للكمال المطلق لا يعكس طموحا بقدر ما يكشف عن تجاهل لطبيعة الحياة. فالعالم لا يسير وفق معادلات مغلقة، بل تحكمه شبكة معقدة من التأثيرات المتغيرة، تجعل من النتائج احتمالا لا يقينا، ومن التخطيط اجتهادا لا ضمانا.
وفي السياق الإداري، تتضح خطورة هذا المفهوم أكثر، فالمؤسسات التي تبنى على وهم الكمال، غالبا ما تثقل نفسها بتوقعات غير واقعية، ما يؤدي إلى خلل في اتخاذ القرار، وتوتر في بيئة العمل، وانفصال تدريجي عن الواقع. بينما تنجح المؤسسات التي تعيد تعريف أهدافها وفق مبدأ «الجودة الممكنة»، لا «الكمال المستحيل».
وهنا يظهر الفارق الجوهري: فالجودة تمثل فهما واعيا للواقع، وسعيا لتحسينه ضمن حدوده، أما الكمال فهو محاولة لتجاوزه دون إدراك كاف بتعقيداته.
وعلى مستوى الفرد، لا يختلف الأمر كثيرا. فالإرادة التي تثقل بحلم الكمال، تتحول إلى عبء نفسي، بينما الإرادة التي تتحالف مع الجودة، تصبح أداة نمو وتطور مستدام. الأولى تبحث عن صورة مثالية لا وجود لها، والثانية تبني واقعا أفضل خطوة بخطوة.
إن النضج الحقيقي - فرديا ومؤسسيا - لا يتحقق بالسعي إلى الكمال، بل بفهم حدوده، وتجاوزه نحو جودة واعية، تتسق مع الإنسان، وتنسجم مع الحياة.
hananabid10@













0 تعليق