إدارة المدن: من التخطيط العمراني إلى الحوكمة الحضرية

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إدارة المدن: من التخطيط العمراني إلى الحوكمة الحضرية, اليوم الأربعاء 10 يونيو 2026 09:01 مساءً


مع إطلاق كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود مؤخرا لبرنامج الماجستير التنفيذي في إدارة المدن، نستذكر الأفكار الملهمة التي طرحها سمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف في كتابه (الإدارة المحلية والقطاع البلدي: التحديات والفرص الضائعة)، والذي يجمع بين العمق الفكري والخبرة العملية، ما يجعله مرجعا أساسيا في صياغة المبادرات الإصلاحية في مجال الإدارة المحلية، سواء في ما يتعلق بتطوير الأطر التشريعية والتنظيمية، أو بتصميم البرامج الأكاديمية الهادفة إلى إعداد قيادات محلية قادرة على قيادة التنمية وإدارة التحولات الحضرية.

فمن الموضوعات التي يلفت الانتباه إليها أنه: «تفرض المعدلات العالية من النمو السكاني والجغرافي إعادة صياغة مفهوم إدارة المدن والعمل البلدي بصفة عامة، وبما يضمن تبني منهج الإدارة المحلية والحضرية للمدن، المتمثل في تعزيز مبدأ اللامركزية وتشجيع الاستقلالية المالية والإدارية، وبما يضمن كذلك تحفيز البلديات للتعامل مع قضايا التنمية بأسلوب الوقاية من الحرائق بدلا من إطفائها، وإطلاق المبادرات بدلا من ردود الأفعال، وتوجيه التنمية بدلا من ملاحقتها، ومشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات البلدية».

يأتي هذا الاستهلال برؤية سمو الأمين الأسبق لمنطقة الرياض تأكيدا على أهمية الأبعاد الإدارية والمالية والتنظيمية في إدارة المدن، وعلى ضرورة تمكين الإدارة المحلية ومنحها الصلاحيات الكافية لصناعة القرار المحلي، باعتبارها الركيزة الأساسية في صياغة السياسات العامة وترسيخ الحوكمة الحضرية. كما يستشف منه تحديات اختزال إدارة المدن في الحلول التخطيطية والهندسية، على نحو يضعف الأدوار المؤسسية للبلديات ويحد من فاعليتها التنموية، في ظل استمرار نهج المركزية البيروقراطية.

فإدارة المدن لا تقتصر على إعداد المخططات العمرانية أو تطوير البنية التحتية، بل باتت تستلزم منظومة تنموية متكاملة تستند إلى أطر تنظيمية راسخة، وقدرات إدارية فاعلة، واعتبارات مالية رشيدة. ولم تعد المدينة مجرد حيز مكاني تقدم فيه الخدمات للسكان باتجاه واحد، وإنما هي وحدة إدارية واقتصادية متكاملة، مسؤولة عن تحديد أولويات المجتمع المحلي وتحقيقها بكفاءة وفاعلية، في سياق ينسجم تماما مع التحولات التنموية والحراك الإصلاحي المؤسسي الذي تشهده المملكة العربية السعودية في إطار «رؤية 2030»، وما يصاحبها من اهتمام استراتيجي متزايد بدور المدن في الارتقاء بجودة الحياة وتعزيز التنافسية الوطنية.

ولذا، يعد التخطيط العمراني أحد أدوات إدارة المدينة، لا بديلا عنها. فالقرارات المتعلقة بالتنمية الاقتصادية المحلية، وجذب الاستثمارات، وتحديد أولويات الإنفاق العام، ومعالجة التحديات الاجتماعية والبيئية، هي في جوهرها قرارات سياساتية وإدارية تتطلب موازنة بين المصالح والأولويات المختلفة، قبل أن تترجم إلى مخططات أو حلول هندسية. ومن ثم، فإن نجاح المدن لا يعتمد على جودة التخطيط العمراني فحسب، بل على كفاءة القيادات الإدارية المحلية في صياغة السياسات والتنظيمات، وإدارة الموارد، وتنسيق الجهود بين مختلف الأطراف المعنية لتحقيق الأهداف التنموية.

ويبدو أن اختزال مفهوم إدارة المدينة في جوانبه الهندسية والتخطيطية يعكس النهج المركزي في القطاع البلدي والمفهوم الضيق للبلدية بوصفها جهازا خدميا تنفيذيا، لا هيئة محلية معنية بإدارة المدينة بمفهومها الشامل. ويترتب على هذا التصور حصر التنمية الحضرية نفسها في أطرها الفنية والخدمية، في حين أن المدينة منظومة اقتصادية واجتماعية وبيئية وثقافية معقدة تتطلب إدارة متكاملة. فالتنمية الحضرية لا تبدأ بالمخططات، وإنما تنطلق من تحديد الرؤية وصياغة الأولويات والسياسات المحلية التي توجه تلك المخططات وتمنحها الشرعية والفاعلية.

وفي المقابل، تظهر التجارب الدولية أن البلديات تمثل مؤسسات للحوكمة المحلية، تضطلع بقيادة التنمية الشاملة وإدارة شؤون المدينة بمختلف قطاعاتها، من خلال صياغة السياسات المحلية، وتنسيق الجهود بين الجهات الفاعلة، وتوجيه الموارد نحو تحقيق المستهدفات التنموية. وإذا كان التركيز على الجوانب التخطيطية والهندسية كافيا في مراحل سابقة من تطور المدن، فإن التحديات الراهنة باتت أكثر تعقيدا وتشابكا؛ الأمر الذي يجعل من الضروري تعزيز الأبعاد الإدارية والمالية، وترسيخ الحوكمة المحلية، وتحليل السياسات العامة في برامج إعداد القيادات المحلية لرفع قدراتهم في إدارة المدن في بيئات حضرية متسارعة التغير.

وتقدم مبادرة مدينة الرياض الأخيرة في تطبيق الساعات المرنة للأجهزة الحكومية مثالا عمليا على كفاءة المنظور الشامل لإدارة المدينة، إذ تؤكد أن أدوات الإدارة المحلية وصناعة السياسات العامة قادرة على إحداث أثر حضري ملموس، قد يضاهي - بل ويتجاوز في بعض الحالات - الحلول الهندسية التقليدية من حيث التكلفة والسرعة والاستدامة.

وفي ضوء التحول في مفهوم إدارة المدن، من النموذج الخدمي الضيق إلى نموذج الحوكمة الحضرية الشامل، تتضح الحاجة إلى تعزيز التكامل المعرفي في برامج الدراسات العليا في إدارة المدن من خلال إدراج موضوعات الإدارة العامة، وفي مقدمتها الإدارة المحلية، بما تتضمنه من معارف ومهارات ترتبط ارتباطا مباشرا بإدارة المدن. وتشمل هذه الموضوعات تحليل السياسات العامة المحلية، والحوكمة، والإدارة المالية وإعداد الموازنات، فضلا عن التطوير التنظيمي، وإدارة أصحاب المصلحة، وتفعيل المشاركة المجتمعية، وبناء الشراكات الاستراتيجية بين القطاعات الثلاثة: الحكومي، والخاص، وغير الربحي. وتشكل هذه المنظومة المعرفية الإطار التنفيذي الذي يحول الرؤى والمخططات العمرانية من مجرد تصورات فنية إلى برامج ومبادرات قابلة للتنفيذ، بما يعزز قدرة المدن على تحقيق أهدافها التنموية بكفاءة وفاعلية.

وقد أولت «رؤية السعودية 2030» التنمية المناطقية والمحلية أهمية خاصة، باعتبارها مدخلا أساسيا لتحقيق التنمية الوطنية الشاملة، حيث تمثل المدن مجال الفعل الاجتماعي والنشاط الاقتصادي، وفيها تترجم السياسات العامة إلى مشاريع وخدمات ومبادرات تنموية تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين ومستوى جودة معيشتهم.

وعليه، يقتضي إعداد قيادات إدارة المدن برامج تعليمية متكاملة تجمع بين الأسس المعرفية للإدارة العامة والإدارة المحلية، والخبرات التخطيطية والفنية اللازمة لفهم التحديات الحضرية المعاصرة والتعامل معها. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى أن تتيح البرامج هذه المقاربة متعددة التخصصات، بما يحقق التوازن المنشود بين الأبعاد الإدارية والسياساتية من جهة، والجوانب التخطيطية والفنية من جهة أخرى. فالمستقبل الذي تتطلع إليه المدن السعودية يتطلب قيادات محلية تمتلك القدرة على فهم عمليات صنع السياسات العامة، وتصميم آليات تنفيذها، وقيادة المشروعات والمبادرات التنموية، بما يعزز كفاءة إدارة المدن واستدامتها، ويسهم في الارتقاء بجودة الحياة في المجتمعات المحلية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق