نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
القوى الخفية داخل المؤسسات: مقاربة نفسية في الإدارة, اليوم الثلاثاء 16 يونيو 2026 01:45 صباحاً
تعد الحركة المؤسسية واحدة من أعقد المنظومات التي يمارس الإنسان ضمنها أنشطته اليومية؛ إذ تحتضن المؤسسات اليوم الجزء الأكبر من ساعات نهاره، حيث يبدأ يومه فيها مبكرا ويغادرها في ساعات المساء. وهذا ما يجعل المؤسسات ليست مجرد أماكن عمل كما توصف عادة، بل بيئات حياة متكاملة لا تقل تعقيدا عن مؤسسة الأسرة والبيت.
وانطلاقا من هذا الفهم، يمكن وصف الحياة المؤسسية بأنها مجموعة من الأعمال والمهام في شكلها الظاهري، بينما تخفي تحت سطحها الكثير من التداخلات الإنسانية والنفسية، والمادية والسلوكية والفكرية. وهذا الجانب الخفي هو ما بدأت المؤسسات العالمية، منذ ما لا يقل عن عقدين، في تسليط الضوء عليه. ومع ذلك، لم يصل هذا الاهتمام إلى المستوى الكافي الذي يزيل الضباب بالكامل عن جميع عناصر تلك التفاعلات الخفية داخل المؤسسات.
وتصبح المؤسسات أقل قدرة على إدارة نفسها بكفاءة عندما تصل حالتها الداخلية إلى مستوى من التأثر بتفاعلات خفية بين الموظفين، تتراجع معه درجات الشفافية داخل المؤسسة. وينعكس ذلك بصورة مباشرة على جودة الإنتاج ومستوى الأداء. فالجوانب النفسية غير المرئية في العلاقات بين الموظفين، والتي تتجاوز الإطار المهني البحت، قد تؤسس لحالة من عدم الوضوح في تنظيم العمل التنفيذي والتشغيلي.
ومن هنا، فإن المقاربة النفسية في الإدارة تقوم على فهم التأثير الحقيقي للتفاعلات النفسية الخفية داخل المؤسسة، وطبيعة العلاقات بين الزملاء، ومستويات الانسجام أو عدم الانسجام النفسي داخل النسيج الاجتماعي للفريق، وليس المهني فقط. كما تتطلب هذه المقاربة معرفة ما إذا كانت العلاقات المهنية قد تحولت إلى علاقات شخصية، ومدى تأثير ذلك على منظومة الإنتاج وجودة الأداء.
وتبرز أهمية هذا الإدراك عندما يحدث انتقال جزئي أو كلي لعلاقات الزمالة نحو أنماط شخصية أو عائلية، بحيث تصبح أقرب إلى العلاقات الأسرية منها إلى العلاقات المهنية. ففي هذه الحالة، قد تتداخل الاعتبارات العاطفية والشخصية مع متطلبات العمل، بما يؤثر سلبا في موضوعية القرارات وكفاءة الأداء.
وغالبا ما ينظر إلى ما هو غير ظاهر للإدارة داخل المؤسسات على أنه شأن إنساني خاص لا ينبغي للمؤسسة رصده أو التعليق عليه. وفي المقابل، تغفل كثير من المؤسسات حقيقة أن بيئة العمل هي، في نهاية المطاف، بيئة اجتماعية قبل أن تكون إطارا مهنيا فقط. وهذا يعني أنها تضم شبكة من العلاقات والتفاعلات الإنسانية التي تؤثر بصورة مباشرة في الأداء المؤسسي.
فالمؤسسة تحتضن بيئة اجتماعية، ويعمل داخلها إنسان بطبيعته كائن اجتماعي تحركه مشاعر وانفعالات ودوافع نفسية متعددة. وكثيرا ما يفشل الموظف في الفصل بين حالته النفسية ومتطلباتها من جهة، وبين احتياجات المؤسسة ومتطلبات العمل من جهة أخرى، خصوصا عندما تتقاطع هذه الاحتياجات أو تتعارض. ومن هنا تنشأ كثير من التحديات الخفية التي تؤثر في الأداء المؤسسي، والتي لا يمكن معالجتها بالأنظمة والإجراءات وحدها، بل تتطلب فهما أعمق للنفس البشرية وآليات تفاعلها داخل بيئة العمل.
hananabid10@















0 تعليق