نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
العراق وربطة عنق الزيدي, اليوم الاثنين 6 يوليو 2026 12:46 صباحاً
يعيش عاصفة غير مسبوقة. اهتزت أركان الأقوياء. ارتبك الجميع. الكل اتجه لإعادة حساباته. الحملة شرسة هذه المرة. ما كان يجوز سابقا، لا يقبل حاليا. الأرض ومن عليها مرعوب من المقصلة التي لن تستثني أحدا.
عاش العراق على بقايا النار والرماد لعقود مضت. انقلب صدام حسين على عبد الرحمن عارف. وبعد أسبوعين استدار على حلفائه في الانقلاب. كرئيس الوزراء عبد الرزاق النايف؛ وأحمد حسن البكر، الذي نفاه وأجبره على التذرع بالمرض ليستولي على الحكم.
سوريا هذا اليوم ليست قصتي. لكن ما حدث في دمشق يشبه ما جرى في بغداد ويجدر ذكره. غدر حافظ الأسد وفق إطار ما سمي بـ«الحركة التصحيحية»، إبان توليه حقيبة وزارة الدفاع عام 1970؛ بصلاح جديد رفيق الأمس، المعروف بأنه القوي، الذي أضعف وجود الدولة المدنية بقيادة أمين الحافظ. بنهاية المطاف، سيطر ابن القرداحة على البلاد. تسيد منذ ذاك الوقت حزب البعث، وواصل قبضته العسكرية والمخابراتية، إلى أن أزيح ابنه بشار في ديسمبر 2024.
على كل حال أعود للعراق. يبدو ويتضح أن علي الزيدي رئيس الوزراء الحالي الذي تبوأ منصبه مؤخرا؛ يحمل أجندة على رأسها محوران. ما هما؟ الأول: محاربة الفساد والفاسدين. الثاني: حصر السلاح السائب بيد الدولة.
صحيح أن المحور الأول دخل حيز التنفيذ في المنظور السائد؛ إلا أنه وفق ما أتصور، سيصل عند حدود معينة، ويصطدم بالمتنفذين في السياسة والاقتصاد. في العراق النافذون سياسيا أقوى من الدولة، لماذا؟ لاستنادات طائفية ومذهبية تأخذ توجيهاتها من الخارج، وتستند عليه من حيث التغطية. أما المتكسبون من العقود، وهذا أمر مرتبط بالاقتصاد، فهؤلاء من السهل اصطيادهم. كما شاهدنا خلال حملات القبض على أعضاء في البرلمان العراقي وغيرهم.
والزيدي الذي خاطب ساسة ومجتمع العراق بنبرة عالية لم تعتد عليها تلك المجاميع، أعتقد أنه اعتمد على دعم أمريكي - ليس بالضرورة أن يكون مباشرا - لماذا؟ لأنه لو قاد حملته الإصلاحية بناء على توجهات الولايات المتحدة الأمريكية، سيقع بفخ مفهوم «الأداة». بمعنى أنه سيتحول لمجرد مؤد لسياسات واشنطن، وبالتالي يفتقد للعمل وفق إطار حر ومستقل، وتخسر أجندته كينونتها الوطنية، وستتفرغ من مضمونها ومحتواها العميق.
ومن ناحية أخرى وقبل ذلك، فقد حاز على مباركة زعامات شيعية مؤثرة في المشهد العراقي، كمقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، باعتباره شخصية تؤخذ آراؤها على محمل الجد ولا تقبل الجدال؛ لا سيما في صفوف الطائفة الشيعية بلا استثناء، ولا يقل من الناحية الدينية والمعنوية عن المرجعية الشيعية العليا بقيادة علي السيستاني.
كصحفي عبثي؛ لدي كثير من الأسئلة المشروعة: ما الآلية التي سيتمكن من خلالها الرجل من حصر سلاح الميلشيات بيد الدولة؟ كيف له أن يتصرف مع المصالح الحزبية الضيقة؟ ماذا عن سرطان الطائفية المستشرية؟ ما الأسلوب الذي سينفذه لقطع دابر التدخلات الخارجية؟ إلى أين ستتجه العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ كونها حسب ما يؤكد العراقيون أنفسهم، أنها المتحكمة بمفاصل الدولة وتملك نفوذا واسعا - والعهدة على الراوي -؟ وهل يستطيع رفع سقف الرقابة القضائية؟ وما خطة التعامل مع النفط؛ ومقدرات بلاد الرافدين؟ وإلى أين سينتهي ملف ارتباط بغداد بجيرانها، على رأسها السعودية والكويت؛ والبقية الباقية من دول الخليج؟ وما طريقته لرفع مستوى قيمة مؤسسات الدولة التي فقدت هيبتها بعد 2003، وإسقاط النظام البعثي؟
برأيي، مهمة رئيس الوزراء العراقي محفوفة بكثير من الأشواك، ويدرك ويتفهم أنه أمام طريق مليء بالقنابل والألغام، التي ربما تفقده وجوده وحياته، في لحظة وطريقة غير معلومة.
وهذا الأمر ليس تنظيرا، بل مقتبس من لسان الزيدي ذاته. فمضامين الحوار الذي أجراه معه الزميل غسان شربل رئيس تحرير «صحيفة الشرق الأوسط» في منتهى الأهمية. إنها تشي بأن العراق القادم، لن يكون كما سبق. والأهم؛ أنه يستشعر حجم التحدي الذي يقابله.
يقول في حديثه «أنظر إلى الموت على أنه لقاء مع الله سبحانه. هو أرخص شيء نقدمه للعراق. لن أترشح لولاية أخرى. ولن أؤسس حزبا سياسيا. أنا حريص على أن يخرج العالم بأسره بصورة عن العراق بأنه منبع حقيقي للقادة. وأن أبناءه بإمكانهم حكم هذا البلد العريق. لن أسمح بأي إملاءات من خارج الحدود، لا من الشرق ولا من الغرب. قرار العراق هو قرار شعبه وما يقوله البرلمان. على الحكومة أن تطبق ذلك. لا مكان للفساد. ولا للسلاح خارج الدولة. لن توجد أي جهات تحمل السلاح خارج إطار الدولة. سيتنعم العراقيون بثروة بلادهم».
إن العراق بتاريخه العريق، يفترض النظر له ككيان أكبر من أي طائفة، أكبر من عربيد مندس مأجور، أكبر من فاسد، أكبر من مجرم، أكبر من منفذ لمنهجية مقيتة، مقابل حفنة من المال الزهيد. يجب أن يعود لما كان عليه، واحة من الجمال والعلم والثقافة، شريطة لفظ الجبابرة.
أعجبتني مقدمة المعلم غسان. لفتتني رسالة الزيدي للمرتشين.. «لن أقبل حتى لو ربطة عنق».

















0 تعليق