لا حديث في مصر حاليًا أكثر سخونة من فواتير الكهرباء، في ظل حملة الحكومة لترشيد الطاقة، وترجع قصة استخدام الكهرباء إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ففي عام 1863، وفي عهد الخديوي إسماعيل، كانت البدايات الأولى لاستخدام الكهرباء في مصر، خاصة مع افتتاح قناة السويس وإقامة الاحتفالات وبناء دار الأوبرا لمواكبة هذه الاحتفالات، وحرص الخديوي على أن تكون الإضاءة هي مفاجأة الزائرين لدار الأوبرا الملكية.
استعان الخديوي إسماعيل برجل الأعمال الفرنسي مسيو شارل ليبون، حتى يستطيع إبهار ضيوفه وجعل مصر قطعة من أوروبا، وكانت شركة ليبون بمدينة الإسكندرية صاحبة الامتياز في إنتاج غاز الاستصباح المستخرج من الفحم الحجري، والمستخدم في إنارة الشوارع وبعض القصور.
وتم افتتاح أول محطة لتوليد الكهرباء في مثل هذا اليوم، 5 نوفمبر عام 1895، حيث أُنشئت أول محطة لتوليد الكهرباء داخل المصنع نفسه، مع الاستفادة من عملية تقطير الفحم الحجري لاستخراج غاز الاستصباح منه، واستخدامه في إشعال غلاية تنتج البخار الذي يدير التوربينات الثلاث التي دخلت الخدمة لإنتاج الكهرباء، وتم تصنيعها بشركة واير ورشموند.

لكن جاء الاعتماد الأساسي على الكيروسين في إضاءة شوارع مصر بعد اكتشاف البترول وبدء حركة التحضر، حيث كانت مصر ثاني دولة في العالم تحفر بئرًا للبترول، وجاء اكتشاف البترول بالمصادفة أثناء البحث عن الكبريت في جمصة عام 1869، لكن الإنتاج الفعلي بدأ عام 1908، فانتشر منذ ذلك الحين استعمال الكيروسين في الإنارة، لكنه ظل مقصورًا على القاهرة والإسكندرية وبعض المناطق المتفرقة في أرجاء مصر، حيثما أمكن توليد الكهرباء بمولدات صغيرة للقصور والعزب وبيوت الأثرياء.
أما الغاز، فكما نشرت مجلة «المجتمع العربي» عام 1966، فقد دخل القاهرة والإسكندرية بمقتضى ترخيص الحكومة المصرية لرجل الأعمال الفرنسي مسيو شارل ليبون عام 1865، بإقامة المنشآت اللازمة لتوليد الغاز بالقاهرة، فقامت الشركة، على سبيل المثال، بأعمال الإضاءة الكاملة للأوبرا عام 1869.
إنارة المنازل بالقاهرة
وقد تم استخدام الكهرباء في إنارة المنازل بالقاهرة اعتبارًا من عام 1897، بموجب ترخيص لشركة ليبون لمدة خمسين عامًا، انتهى عام 1948، وتم تسليم المحطة إلى وزارة الأشغال والطاقة المصرية.
وقد أقام مسيو شارل ليبون متحفًا صغيرًا لأول وحدة توليد كهرباء في مصر بالمحطة، وأحاطها بالعناية، حيث أصبحت الأجيال المتعاقبة تتوارث الحفاظ عليها، ووضعت الآن في المكان اللائق بها تاريخيًا، ألا وهو مدخل محطة كهرباء سيدي كرير.
القنصلية الألمانية أول من أضاءت بالكهرباء
وقد دخلت الكهرباء لأول مشترك بالإسكندرية في مايو 1895، وكان ذلك لمكتب المحامي اليهودي الشهير «مانوزدي»، الذي أُطلق اسمه على الشارع المؤدي إلى محكمة محرم بك، «شارع المحكمة» حاليًا.
أما ثاني مشترك بالإسكندرية فكان «البنك العثماني» بميدان القناصل، وكانت أول قنصلية تعاقدت على استخدام الكهرباء هي القنصلية الألمانية في ديسمبر 1897 بشارع باب رشيد، ثم القنصلية الفرنسية بشارع النبي دانيال في مارس 1898، والتي يقع في مكانها حاليًا المركز الثقافي الفرنسي.
لوكاندة بغداد أول فندق يضاء بالكهرباء
كما كانت أول لوكاندة استخدمت الكهرباء بالإسكندرية هي لوكاندة بغداد بسان ستيفانو، لصاحبها «سربوس»، في سبتمبر 1895، ثم لوكاندة «بليزانس» بشوتس، ثم لوكاندة «الخديوي» بمحطة الرمل، شارع كلية الطب، في ديسمبر 1897.
وأول كنيسة استخدمت الكهرباء هي الكنيسة الإنجليزية ببوكلي عام 1896، وأول مدرسة هي مدرسة الفرير بباكوس، أما أول مقهى فهو مقهى اللوفر، ثم قهوة أتناس ببوكلي، ثم سان جيمس. وأول مسرح هو مسرح مونفسانو، وبعده كازينو سان ستيفانو عام 1898.

تشغيل أول محطة كهرباء
وفي عام 1964، تم إنشاء وزارة الكهرباء وهيئة كهرباء الريف، ودخلت مصر خلالها عصر الكهرباء المائية نتيجة إنشاء محطة خزان أسوان ومحطة السد العالي، بالإضافة إلى إنشاء عدة محطات حرارية أخرى كبيرة، وبالتالي زادت القدرات الاسمية المركبة زيادة كبيرة.
وتم إنشاء الشبكة الكهربائية الموحدة عام 1967، بالإضافة إلى زيادة الأحمال والإنتاج وأطوال شبكات النقل والتوزيع وسعات محطات المحولات، ودخول مشروع كهربة الريف حيز التنفيذ على نطاق واسع.
منذ أكثر من مائة عام.. تم ترشيد الكهرباء
يعتقد البعض أن ترشيد الاستهلاك كلمة حديثة ظهرت مع ارتفاع وسخونة الفواتير، ولكن العكس صحيح، فترشيد استهلاك الكهرباء موجود منذ عام 1917، عندما نشرت «الوقائع المصرية» قرارًا بغلق الأنوار بعد الساعة السابعة مساءً لترشيد الاستهلاك.
كما نشرت في عددها رقم 67، الصادر عام 1917، قرار مجلس الوزراء باتخاذ بعض الإجراءات لترشيد استهلاك الوقود والفحم، من خلال تخفيض الإضاءة العمومية بنسبة 25% في العواصم والمديريات، إلى جانب عدم استعمال الإعلانات المضاءة بالأنوار، ومنع الأنوار المستعملة في مداخل أو مخارج الحوانيت والسينماتوغرفات والفنادق والأندية بعد الساعة السابعة مساءً، مع استثناء الصيدليات فقط.






