يحتفي مهرجان الجونة السينمائي في دورته التاسعة بمسيرة المخرج الراحل محمد خان بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله، ويعيد المهرجان تسليط الضوء على تجربة سينمائية فريدة لا تزال نابضة بالحياة وتلهم أجيال متعاقبة من صناع السينما.
فلم تكن موجة "الواقعية الجديدة" التي تفجرت بداية الثمانينيات مجرد صدفة عابرة في تاريخ السينما المصرية، بل جاءت استجابة ضرورية للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أعقبت فترة السبعينيات.
وفي قلب هذا التحول، يقف المخرج الراحل محمد خان شريك أصيل في تأسيس تيار الواقعية في السينما، إلى جوار المخرجين عاطف الطيب، وخيري بشارة، وداود عبد السيد، ويسري نصر الله، ورضوان الكاشف، وهم من أحدثوا قطيعة مع سينما الاستديوهات المغلقة والديكورات المصنوعة، للخروج بالكامل إلى الفضاء العام.
هذا الاتجاه نحو الشارع لم يكن مجرد خيار جمالي ينتمي إلى أسلوب سينمائي فحسب، بل كان واقعا فرضته معادلات الإنتاج المنخفضة وقتها، إذ حول خان هذا التحدي الإنتاجي إلى ميزة أسلوبية فارقة، وأصبح التصوير في الأماكن الحقيقية من الميادين المزدحمة والأزقة الضيقة إلى الشرفات وأسطح العمارات سمة بصرية مشاركة في خلق هوية الفيلم.
هذه الموجة شكلت البداية لمفهوم ناعم لتيار السينما المستقلة الذي أعاد ترتيب هويته بعد هذا التاريخ بأكثر من عشرين عام، حيث الخروج من جدران الاستوديوهات إلى الشارع، وابتكار أنماط وأساليب جديدة في سرد القصص واختيار موضوعات حقيقية تتماس مع حياة الملايين دون تجميل أو تزييف والاهتمام بالصورة وحتى إعادة تدوير مواهب بعض الممثلين.
الخطوة الأولى لمحمد خان نحو الشارع عبر فيلمه ضربة شمس، وهو العمل الذي وضع فيه الكاميرا في قلب الحركة اليومية للعاصمة، و اعطي الفرصة للصورة أن تنطق وتتكلم بدلاً من الحوار التقليدي، لتصبح الصورة ذاتها هي البطل والمحرك الأول للأحداث، تفكك تفاصيل الشارع في صمت تام.
انحازت سينما محمد خان للإنسان والمكان على حد سواء، المكان عند خان ليس مجرد استوديو مفتوح أو خلفية جامدة، بل عضواً حياً وجزء أصيل يتدخل مباشرة في سير الحكاية ويشكل سلوك الشخصيات ودوافعها النفسية.
من أزقة القاهرة في "أحلام هند وكاميليا"، والأجواء الشعبية في "فتاة المصنع"، إلى البحث الشجي عن الذات في "في شقة مصر الجديدة"، كان المكان دائماً لدى خان، هو المرآة التي تنعكس عليها مشاعر الأبطال وأحلامهم وانكساراتهم.
في فيلم فتاة المصنع، يتجلى المكان ليس فقط كخلفية، بل كضغط اجتماعي وجغرافي يوجه مشاعر وسلوكيات هيام، كما كانت الشقة المجهولة في في فيلم "في شقة مصر الجديدة"، محركا للبحث عن الحب و الذات والذاكرة، كما كانت "شوارع القاهرة" في ضربة شمس.
انتقل خان من إثارة الشارع إلى عمق إنسانيته وشجنه، متناولاً أزمات الطبقة الوسطى والمهمشين بأسلوب ناعم يخلو من المباشرة والافتعال، يتضح ذلك في أعمال اصبحت علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية.
فيلم "أحلام هند وكاميليا"، حيث لم تعد القضية مجرد طرح مشكلة اجتماعية بصورة تقليدية، بل النفوذ إلى مفردات الحياة اليومية لمجتمع المهمشين، في فيلم "الحريف" أعاد خان تشكيل موهبة الفنان عادل إمام من جديد وسحبه من زاوية الأداء الكوميدي السائد إلى التجسيد الدرامي الصامت والعميق، ليعيد تقديمه كإنسان متعب و مأزوم يتخبط في زحام المدينة.
- بعد احتفاء مهرجان الجونة، محطات في حياة محمد خان من الهندسة المعمارية إلى السينما
- نجوم الفن يتوافدون على مهرجان الجونة استعدادًا لانطلاق الدورة التاسعة
- مهرجان الجونة السينمائي يعلن عن لجان تحكيم دورته التاسعة
- رانيا يوسف تكتب: «ريد فلاج» كوميديا معاصرة مستوحاة من أفلام الخمسينيات
- رانيا يوسف تكتب: منى زكى.. تكريم سندريلا الجيل بجائزة الإنجاز الإبداعى






