وأضافت مبيّض، في مقابلة مع «الشرق بلومبرج»، اليوم الجمعة، أن تبني العراق برنامجاً إصلاحياً بالتعاون مع صندوق النقد الدولي قد يسهل عودته إلى أسواق الاقتراض الخارجي، بينما تظل قدرة لبنان على جذب التمويل مرهونة بمعالجة أزمتي الدين والقطاع المصرفي.
وأوضحت أن رسائل المسؤولين خلال الاجتماعات أكدت التمسك بالإصلاحات رغم الأزمة، محذرة من أن إطالة أمد الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يفرضان استمرار السياسات المالية والنقدية الانكماشية، بما يضغط على النمو والتوظيف والقدرة الشرائية.
الإصلاحات تعزز ثقة المستثمرين
وقالت مبيّض، إن الالتزام بالإصلاحات المالية والنقدية برز باعتباره رسالة مشتركة في لقاءات المسؤولين مع المستثمرين، مشيرة إلى أنها لمست هذا التوجه لدى مسؤولين من مصر والأردن والمغرب، رغم تفاوت تأثر اقتصادات هذه الدول بتداعيات الحرب في الخليج والمنطقة.
وأضافت، أن الالتزام بالإصلاحات خلال الأزمات يحد من صدمات النمو، ويساعد على كبح الضغوط التضخمية وتعزيز ثقة المستثمرين، بما يشجعهم على الاحتفاظ بسندات الدول التي تواصل تنفيذ برامجها الإصلاحية.
لكنها حذرت من أن استمرار الأزمة قد يزيد كلفة التشديد المالي والنقدي على النشاط الاقتصادي، موضحة أن إطالة أمدها قد تؤدي إلى استمرار السياسات الانكماشية وتداعياتها على النمو والوظائف، في وقت تضغط فيه زيادة أسعار المشتقات النفطية وحالة عدم اليقين على القدرة الشرائية، مع احتمال انعكاس ذلك على الاستقرار السياسي في الدول التي تواجه تعثراً في الإصلاح.
السعودية.. الطلب على السندات يدعم قدرتها على الصمود
وقالت مبيّض إنها لم ترصد تحولاً هيكلياً في تسعير المخاطر السيادية للسعودية، رغم التحديات الجيوسياسية والمخاطر الأمنية التي تواجه اقتصاد المملكة، مشيرة إلى أن تراجع أسعار السندات جذب مشترين جدد، ما ساعد على الحد من اتساع هوامش العائد، التي تعكس الفارق بين عوائد السندات السعودية والسندات المرجعية.
وأوضحت أن بعض المستثمرين كانوا يحتفظون بأوزان محدودة من السندات السعودية في محافظهم، قبل أن تصبح عوائدها أكثر جاذبية مقارنة بالسندات السيادية الأميركية والأوروبية وبعض إصدارات الدول النامية ذات التصنيف الاستثماري.
وأضافت أن الطلب شمل مستثمرين ينشطون في أسواق الديون المتقدمة والناشئة، ما وسّع قاعدة المشترين المحتملين وساعد على احتواء الارتفاعات المؤقتة في هوامش العائد.
وعلى صعيد النشاط الاقتصادي، ربطت مبيّض قدرة السعودية على مواجهة الصدمات باستمرار نمو القطاع غير النفطي والإنفاق على المشاريع الاستثمارية الأساسية، إلى جانب استعادة الإنتاج النفطي وإصلاح خط أنابيب «شرق–غرب»، بما يحد من انكماش الناتج النفطي.
وأشارت إلى أن مواصلة الإنفاق على المشاريع التي تسهم في تطوير البنية التحتية وتعزيز نمو القطاع الخاص تدعم احتواء الانكماش. كما لفتت إلى تزايد الطلب المحلي على السيولة، لكنها اعتبرت أن الاحتياطيات وقدرة البنك المركزي على توفير السيولة تمثلان عاملَي دعم، بما يقلل الحاجة إلى القلق في الوقت الراهن.
وفي المقابل، أشارت إلى ارتفاع توقعات عجز الموازنة السعودية إلى 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بتقدير سابق بلغ 3.3%، ما يزيد الاحتياجات التمويلية للمملكة، التي تمول جانباً كبيراً منها عبر أسواق الدين المحلية، وهو ما قد يفرض ضغوطاً على السيولة.
وأضافت أن الأسواق الخارجية لا تزال متاحة أمام السعودية، وأن هوامش العائد لا تزال ضمن نطاقات جيدة، مؤكدة أهمية اختيار توقيت التمويل.
مصر.. مرونة سعر الصرف تدعم ثقة المستثمرين
وتركزت المناقشات المتعلقة بمصر على قدرتها على الحفاظ على ثقة المستثمرين ومواصلة الانضباط المالي بعد انتهاء البرنامج التمويلي الحالي مع صندوق النقد الدولي، في ظل تأكيد المسؤولين المصريين استمرار التعاون الفني والتشاوري مع المؤسسة.
وقالت مبيّض إن لقاءات المستثمرين مع المسؤولين المصريين عكست تقييماً إيجابياً لمسار الاقتصاد ومصداقية السياسات المالية والنقدية، مع استمرار استهداف الحكومة تحقيق فوائض أولية تدور حول 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأضافت أن المستثمرين أشادوا بمرونة سعر الصرف وإطار إدارة التدفقات إلى سوق الدين المحلية، مقدرة حجم مراكزهم الاستثمارية بنحو 30 مليار دولار، وهو ما اعتبرته مؤشراً على استمرار ثقتهم بالسياسة النقدية في مصر.
وأوضحت أن مرونة سعر الصرف تساعد على تخفيف أثر الصدمات على الاحتياطيات الأجنبية، مشيرة إلى نجاح مصر في زيادتها. وفي المقابل، يرتبط القلق بشأن انتهاء البرنامج التمويلي بدور صندوق النقد الدولي مرجعيةً تدعم الثقة في استمرارية السياسات الاقتصادية.
وأضافت أن المسؤولين المصريين أكدوا للمستثمرين استمرار التعاون مع الصندوق في مجالات المتابعة والاستشارات والمساعدات الفنية، معتبرة أن مواصلة مرونة سعر الصرف ستدعم ثقة المستثمرين خلال المرحلة المقبلة، رغم مخاطر ارتفاع أسعار النفط والتقلبات الجيوسياسية.
العراق.. الإصلاحات قد تسهل العودة إلى أسواق الدين
وقالت مبيّض، إن اتساع العجز المالي في العراق بفعل الأزمة يزيد الحاجة إلى تنويع مصادر التمويل، في وقت يترقب فيه المستثمرون عودة البلاد إلى أسواق السندات الدولية، مشيرة إلى وجود سند دولي عراقي يستحق في عام 2028.
وأوضحت أنها لم تعقد اجتماعات مع مسؤولين عراقيين خلال الجولة الحالية، لكن ما نقل إليها من مسؤولين آخرين يشير إلى إجراء محادثات مع صندوق النقد الدولي، من دون اتضاح ما إذا كانت تتعلق بالمشاورات أم ببرنامج تمويلي.
واعتبرت أن طلب العراق الدخول في برنامج إصلاحي مع صندوق النقد الدولي، يتضمن إصلاحات هيكلية، سيكون خطوة إيجابية من شأنها تمهيد الطريق أمام البلاد وتسهيل اقتراضها من الأسواق الخارجية بتكلفة أقل.
لبنان.. التمويل مرهون بإعادة هيكلة الدين والقطاع المصرفي
في لبنان، رأت مبيّض أن التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لا يكفي وحده لضمان التعافي الاقتصادي، مؤكدة ضرورة معالجة ملف إعادة هيكلة الدين والقطاع العام، إلى جانب تسوية الخسائر في القطاع المالي والمصرفي ومصرف لبنان.
ويأتي ذلك في وقت يتوقع فيه حاكم مصرف لبنان كريم سعيد إحراز تقدم في المحادثات مع صندوق النقد الدولي بنهاية العام بشأن قانون استرداد الودائع العالقة منذ الأزمة المالية.
وربطت مبيّض استعادة لبنان قدرته على جذب التمويل بمعالجة هذه الملفات، خصوصاً بعد تعثر البلاد في سداد سنداتها الدولية في مارس 2020، محذرة من أن غياب الحلول سيحول دون الحصول على تمويل من المستثمرين اللبنانيين في الخارج أو من الجهات الدولية، بما فيها صندوق النقد الدولي.
وأشارت إلى أن احتياجات التمويل تتزايد مع متطلبات إعادة الإعمار ومساعدة النازحين وتسليح الجيش والمضي في حصر السلاح، معتبرة أن إبرام برنامج مع صندوق النقد الدولي قد يعزز مصداقية السياسات، لكنه لا يغني عن تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
وأضافت أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد تفاصيل قانون استرداد الودائع، المعروف بقانون الفجوة المالية، في ظل استمرار حالة عدم اليقين السياسي، مشيرة إلى ضرورة تحقيق التوازن بين استدامة الدين وإمكانية رد الودائع على فترات تتناسب مع قدرات الدولة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص.
وشددت على أهمية مواكبة إصلاح القطاع المصرفي بإصلاحات هيكلية في القطاع العام والكهرباء، محذرة من أن تأخير قرارات إعادة الهيكلة يزيد الأعباء على المجتمع والمودعين من خلال التضخم.
ودعت مبيّض مجلس النواب اللبناني إلى تحمل مسؤولياته وتسريع النظر في التشريعات اللازمة، في ظل استمرار إعداد التعديلات على مشروع قانون استرداد الودائع، ليكون جاهزاً للمناقشة بعد الانتهاء من مشروع الموازنة.
- صندوق النقد: الاقتصاد العالمي ينمو 3% رغم استمرار المخاطر
- ما التداعيات الاقتصادية للتصعيد الأمريكي الإيراني؟ باحث في شؤون الشرق الأوسط يجيب
- وكالة الطاقة والنقد والبنك الدوليان يوحّدون الجهود لمواجهة تداعيات الحرب
- الرئيس السيسى: استمرار الحرب يؤدى لتداعيات خطيرة للاقتصاد العالمى وارتفاع الأسعار
- صندوق النقد الدولي: طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة أكبر تهديد للشرق الأوسط






