قال الدكتور محمد الجوهري الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للبحوث والدراسات الاقتصادية إن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية تحمل أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة لأنها تفتح المجال لتعميق التعاون مع دولة استطاعت بناء تجربة تنموية قائمة على التصنيع والتكنولوجيا والتصدير وتنمية مهارات الإنسان وهي مجالات ترتبط بصورة مباشرة باحتياجات الاقتصاد المصري في المرحلة الحالية وبطموحه إلى زيادة الإنتاج وتحسين القدرة التنافسية وتوفير فرص عمل مستدامة، موضحاً أن القيمة الأساسية لهذه الزيارة تتمثل في إمكانية الانتقال بالعلاقات الاقتصادية إلى شراكات إنتاجية أوسع بحيث تصبح مصر موقعا لتصنيع منتجات ومكونات تدخل الأسواق المحلية والإقليمية والدولية ويصبح التعاون وسيلة لاكتساب المعرفة الصناعية وتطوير الموردين المصريين وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني وهو ما يمكن أن يحقق أثرا أكثر استدامة من الاكتفاء بزيادة التجارة في السلع الجاهزة.
التواصل المباشر مع أصحاب القرار الاستثماري
وأضاف الجوهرى، أن لقاء الرئيس مع رؤساء وممثلي كبرى الشركات الكورية يكتسب أهمية خاصة لأنه يتيح التواصل المباشر مع أصحاب القرار الاستثماري وعرض الفرص المصرية ومناقشة احتياجات الشركات والتحديات التي قد تعطل دخولها أو توسعها في السوق المصرية لكن الأثر الحقيقي لهذا التواصل يتوقف على المتابعة التنفيذية بعد الزيارة وتحويل اهتمام المستثمرين إلى مشروعات واضحة تتوافر لها الأرض والتراخيص والخدمات والجدوى الاقتصادية، لافتاً إلى أن مصر تستطيع تقديم عرض استثماري يقوم على الجمع بين حجم السوق المحلية وموقعها الجغرافي وإمكانات التصنيع والخدمات اللوجستية والوصول إلى أسواق خارجية مؤكدا أن الاستفادة من الاتفاقات التجارية تتطلب الالتزام بقواعد المنشأ والمعايير الفنية الخاصة بكل سوق.
وأكد الجوهري أن توطين التكنولوجيا ينبغي أن يكون في مقدمة أهداف التعاون مع الجانب الكوري موضحا أن شراء المعدات الحديثة يمثل خطوة مفيدة لكن بناء القدرة الصناعية يحتاج أيضا إلى تدريب المهندسين والفنيين وإتقان التشغيل والصيانة وإدارة الجودة وتطوير التصميم والبحث التطبيقي فالتكنولوجيا تحقق قيمتها الاقتصادية عندما تمتلك المؤسسات المصرية القدرة على استخدامها وتطويرها وتقليل اعتمادها على الخبرات والمكونات المستوردة، موضحاً أن هناك فرصا يمكن بحثها في الصناعات الإلكترونية والأجهزة الكهربائية ومكونات السيارات ومعدات النقل والطاقة والمعدات الصناعية وغيرها من المجالات التي تجمع بين الطلب المحلي وفرص التصدير مشددا على أن اختيار المشروعات يجب أن يستند إلى دراسة القدرة التنافسية والتكلفة وتوافر المدخلات وحجم السوق حتى تتجه الاستثمارات إلى أنشطة قابلة للاستمرار والتوسع.
زيادة المكون المحلي ينبغي أن تتم بصورة تدريجية ومدروسة
وأضاف أن صناعة المكونات تستحق اهتماما خاصا لأن المصنع الكبير يستطيع أن يخلق حوله شبكة من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي توفر الأجزاء والخدمات والتعبئة والصيانة والنقل ومن هنا فإن جذب شركة كورية كبرى يمكن أن يصبح بداية لتطوير منظومة صناعية متكاملة إذا صاحبه برنامج لتأهيل الموردين المصريين ومساعدتهم على الالتزام بالمواصفات ومواعيد التسليم وتحسين الإنتاجية، لافتاً إلى أن زيادة المكون المحلي ينبغي أن تتم بصورة تدريجية ومدروسة حتى تجمع بين تعميق التصنيع والمحافظة على جودة المنتج وقدرته على المنافسة موضحا أن فرض نسب مرتفعة دون وجود موردين مؤهلين قد يرفع التكلفة ويضعف فرص التصدير بينما يؤدي الاستثمار في تأهيل المصانع المحلية والاختبارات والاعتماد الفني إلى بناء قاعدة حقيقية تستطيع توفير المكونات بمستوى يناسب احتياجات الشركات العالمية.
وقال الخبير الاقتصادى إن أهمية الزيارة بالنسبة إلى موارد النقد الأجنبي ترتبط بإمكانية جذب استثمارات إنتاجية تدعم الصادرات وتوفر بدائل تنافسية لبعض الواردات لكن تقييم أي مشروع يجب أن ينظر إلى صافي أثره الدولاري بعد احتساب احتياجاته من المعدات والخامات والمكونات المستوردة وكذلك الالتزامات الخارجية المرتبطة به لأن العبرة هي مقدار ما يضيفه المشروع إلى الاقتصاد من إنتاج وقيمة محلية وتدفقات مستدامة، مؤكداً أن الاستثمارات الجديدة لا تؤدي بالضرورة إلى انخفاض فوري في سعر الدولار لأن المشروعات قد تحتاج في بدايتها إلى استيراد خطوط إنتاج ومعدات قبل بدء التشغيل والتصدير كما أن سعر الصرف يتأثر بعوامل متعددة ولذلك فإن الأثر الأهم المتوقع من الشراكات الصناعية هو تقوية قدرة الاقتصاد على توليد العملة الأجنبية بمرور الوقت وتحسين مرونته في مواجهة الصدمات الخارجية.
فرص عمل أفضل وتدريب أكثر تطورا
وأكد الجوهرى، أن المواطن يمكن أن يستفيد من التعاون المصري الكوري من خلال فرص عمل أفضل وتدريب أكثر تطورا وزيادة المعروض من منتجات ذات جودة مرتفعة وتحسين الخدمات المرتبطة بالمشروعات لكن هذه المكاسب تحتاج إلى وقت وإلى سياسات تضمن المنافسة وتطوير المهارات وربط الاستثمارات الجديدة بالاقتصاد المحلي ، مضيفاً أن التعليم الفني والتدريب المهني يمثلان أحد أهم المجالات التي يمكن أن تمنح التعاون بعدا تنمويا واسعا من خلال برامج مشتركة تربط الدراسة باحتياجات المصانع وتتيح التدريب العملي وتطوير مهارات تشغيل المعدات والصيانة والتحكم الصناعي وإدارة الجودة مؤكدا أن العامل والفني والمهندس المؤهل يمثلون عنصرا حاسما في جذب الاستثمار وأن انخفاض الأجور وحده لا يصنع ميزة تنافسية مستدامة.
رفع كفاءة الخدمات
وأشار الجوهرى، إلى أن التعاون في البنية الأساسية والنقل والطاقة يمكن أن يدعم النشاط الاقتصادي إذا جرى اختيار المشروعات على أساس الحاجة الفعلية والعائد المتوقع وتكلفة التشغيل والصيانة والتمويل موضحا أن أي تمويل ميسر يظل التزاما ينبغي تقييمه بعناية وأن الأفضل هو توجيه الموارد إلى مشروعات تخفض تكلفة الإنتاج أو ترفع كفاءة الخدمات أو تدعم التصدير مع دراسة مخاطر الاقتراض بالعملة الأجنبية حين تكون إيرادات المشروع بالجنيه، موضحاً أن الفرص المطروحة في الطاقة ينبغي أن تركز على تحسين الكفاءة وموثوقية الإمدادات وتطوير الشبكات وإمكانات تصنيع بعض المعدات والمكونات محليا بحسب الجدوى الاقتصادية لأن انتظام الطاقة وتكلفتها عاملان أساسيان في قرارات المستثمرين وقدرة المصانع على المنافسة كما أن التعاون في الاقتصاد الرقمي والأمن السيبراني وتطبيقات التكنولوجيا الصناعية يمكن أن يساعد المؤسسات المصرية على رفع إنتاجيتها وتحسين جودة خدماتها.
تعميق العلاقات المصرية الكورية الجنوبية
وعلى المستوى الاستراتيجي قال الجوهري إن تعميق العلاقات مع كوريا الجنوبية يعزز تنوع الشركاء الاقتصاديين لمصر ويوسع خيارات التعاون والاستثمار والمعرفة في وقت يحتاج فيه الاقتصاد العالمي إلى سلاسل إمداد أكثر مرونة، مضيفا أن مصر تستطيع تقديم نفسها كشريك في الإنتاج والتوزيع وخدمة الأسواق الإقليمية إذا استطاعت الجمع بين كفاءة الموانئ وسرعة الإجراءات الجمركية واستقرار القواعد المنظمة للاستثمار وتوافر العمالة المؤهلة، مشيراً إلى أن التجربة الكورية تقدم دروسا مفيدة في الاهتمام بالتعليم وتشجيع التصدير وربط البحث العلمي بالصناعة ومساندة تطوير الشركات لكن الاستفادة منها تحتاج إلى تكييف هذه الدروس مع الظروف المصرية واختيار السياسات الملائمة لقدرات الاقتصاد واحتياجات المجتمع مؤكدا أن نجاح التنمية يعتمد على الاستمرار في التنفيذ وتقييم النتائج وتصحيح المسار بقدر اعتماده على وضع الخطط.
وضوح القواعد واستقرارها
وشدد الجوهري على أن تعظيم مردود الزيارة يحتاج إلى آلية متابعة تجمع الجهات الحكومية المعنية والمستثمرين وتحدد لكل مشروع جدولا زمنيا ومسؤولا عن التنفيذ وتكشف مبكرا العقبات المرتبطة بالتراخيص والأراضي والخدمات والتمويل لأن المستثمر يتخذ قراره على أساس وضوح القواعد واستقرارها وسرعة التطبيق وقدرته على تقدير التكلفة والعائد طوال عمر المشروع.
- مسؤولون: قطاع التعدين يتطلب استثمارات وسياسات لتعظيم الثروات المعدنية
- تشمل 150 عمارة.. استمرار تطوير منطقة على بن أبى طالب ببورسعيد.. صور
- وزير الاستثمار: مستمرون في تنفيذ برنامج تطوير وإصلاح الاقتصاد مع تعميق سوق رأس المال
- وزير العمل من بنها: تدريب العمالة وتيسير الإجراءات ركيزة لجذب الاستثمارات ودعم الاقتصاد الوطني
- بعد تأكيد السيسي، تعرف على جهود تعافي الاقتصاد المصري وجذب الاستثمارات وتحقيق التنمية






