نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
وداعا فنان الأرض والدم، كيف أرخ سليمان منصور تاريخ فلسطين من النكبة إلى حرب غزة (صور), اليوم الثلاثاء 25 أغسطس 2026 04:25 صباحاً
رحل عن عالمنا مساء الإثنين في القدس، الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور، عمر ناهز التاسعة والسبعين عامًا، بعد تجربة تمتد لأكثر من خمسة عقود حيث يعد الراحل من مؤسسي الحركة التشكيلية الفلسطينية، وارتبطت أعماله بصور الأرض والهوية الفلسطينية.

توثيق تاريخ فلسطين
وسليمان منصور عايش النكبة طفلًا، وعندما بلغ العاشرة، بدأ يسكب ألوان البلاد على الورق، ظنّه الأهل ولدًا يلهو بالرسم كأترابه، إلى أن فاز في مسابقة نظّمتها الأمم المتحدة وهو بعدُ في الـ13 من عمره، كانت الجائزة حينها 200 دولار؛ لكن الفرحة فاقت المبلغ بأشواط.



وحملت ريشة سليمان منصور على عاتقها توثيق تاريخ فلسطين بمُرّه الكثير وحُلوِه القليل ورغم المآسي، لطالما أفردَ الرسّام والفنان التشكيلي لوحاته للجمال فرسمَ فلسطين بأسلوب رومانسي من دون شوائب.
“جمل المحامل” من الأقصى إلى غزة
ويوم رسم «جمل المحامل» عام 1973، التي تصور مسنا مقدسيًا يحمل القدس على ظهره، داخل كتلة تشبه العين دخل منصور كل بيتٍ فلسطيني حول العالم، كرّسته تلك اللوحة التي تمثّل مُسنًا يحمل القدس والمسجد الأقصى على ظهره، أحد أبرز سفراء الفن الفلسطيني.

سحبت فاجعة غزة اللون من اللوحات، كما سحبت الحرب الروح من القطاع هنا اختفت الألوان في لوحات “منصور” تضامنًا مع غزة ومع فنّانيها الذين فقدوا مراسمهم وأدواتهم وألوانهم»، ولم يبقَ منها سوى الفحم والحبر وأقلام الرصاص لتوثيق اليوميات المسيّجة بالدمار والشظايا والأشلاء".
لوحاتٌ من قهوة وسمّاق وحنّاء






















لوحة سليمان منصور هي ابنة أرضها. تستعين بعناصرها الطبيعية وبرموزها كموادّ أولية ومصادر وحي، فتأتي النتيجة محاكاة للإرث الفلسطيني تاريخًا وجغرافيا.
مع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، وبوصفه موقفًا سياسيًا يعبِّر عن الاكتفاء الذاتي، تزامنًا مع مقاطعة البضائع الإسرائيلية، راح منصور يبحث عن مواد من الطبيعة لاستعمالها في الفن. يخبر كيف أنه صار يخلط الطين بمكوّنات يأتي بها من المطبخ، مثل السمّاق، والكمّون، والقهوة، والحنّاء، ولاحقًا ركّزت على الطين ودلالاته الإنسانية والسياسية ليعود فنّه إلى الواقعيّة.
العائلة المقدسة الفلسطينية
ورغم تعدّدت الموادّ والتقنيات، إلا أن ظل الثابت في لوحة سليمان منصور الرموز الفلسطينية، كالزي التقليدي المطرّز، والكوفيّة، وطيور الحمام، وشجر الزيتون، وسنابل القمح، وقبّة الأقصى، والعائلة المقدّسة.
وشرح سليمان منصور كيف أنّ «تجسيد العائلة المقدّسة كعائلة فلسطينية، هو جزء من جهد إعادة الإنسانية إلى الفلسطينيين، وهو تذكير بأن المسيح كان فلسطينيًا بثقافتَيه المادية والمعنويّة، بغضّ النظر عن هويّة إيمانه».

حكايات الصمود
من النكبة، مرورًا بالانتفاضتَين الأولى والثانية، وليس انتهاءً بالعدوان على غزة، أرّخ سليمان منصور لحكايات الصمود كلّها على طريقته منها "عروس الوطن"، و"ابنة القدس"، و"صبرا وشاتيلا"، و"طقوس تحت الاحتلال"، و"ذاكرة الأمكنة"، وهي أعمال ارتبطت باستجاباته للواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، إذ يحضر في أعماله الفلاحون والنساء بالثياب المطرزة، وأشجار الزيتون والبرتقال، والقرى، ورموز المفتاح والسجن والحواجز، ومختلف مفردات الحياة الفلسطينية.


كما شارك خلال الانتفاضة الأولى في تأسيس جماعة "نحو التجريب والإبداع"، التي استجابت للمقاطعة الاقتصادية باستخدام المواد المحلية، إذ يستخدم منصور في تنفيذ أعماله الفنية التجريدية الخشب، والقش، والطبشور، والصلصال، والجير، وشحم الحيوان، والأصباغ الطبيعية.
حكاية طفل البطيخة
قبل 36 عامًا، خرج طفلٌ بملامح شخصٍ بالغ من رحمِ بطّيخة، رمزت تلك اللوحة إلى أطفال فلسطين الذين ينضجون قبل الأوان. لطالما كان فنّ منصور رؤيويًا، ولطالما وظّف الرموز في مواقعها المناسبة.
عاد البطّيخ ليُلهم الملايين حول العالم بالتزامن مع حرب غزة وعن هذه اللوحة قال منصور إن «الفنان بحاجة دائمة إلى رموز وعناصر جمالية مشحونة بالمعاني والعواطف، من أجل إثراء لوحته». يردّ الجميل في ذلك إلى «الأجداد الذين زرعوا الأرض ورفعوا الأسوار، وإلى الجدّات اللواتي طرّزن الملابس وصنعن أطباق القشّ وأواني الفخّار».

وفاة الفنان الفلسطيني سليمان منصور
وتوفي الفنان التشكيلي والنحّات الفلسطيني سليمان منصور الإثنين في مستشفى في القدس الشرقية عن عمر ناهز 79 عاما، حسب ما أعلنت عائلته.
وقالت العائلة في بيان: "لقد كُتِب الفصل الأخير. بقلوب يعتصرها الحزن إلى حد يفوق الوصف، نُعلن أن والدنا العزيز قد رحل عن عالمنا".
وأضافت: "للعالم، يترك خلفه حياة ملؤها الجمال والذكريات، وإرثا سيستمر في العيش من خلال كل من لامس حياتهم. أما بالنسبة لنا، فقد فقدنا أبا كان مصدر حبنا وقوتنا وملاذنا".
ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية منصور، مشيرة إلى أنه "أحد أهم أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، الذي شكلت تجربته الفنية على مدى عقود جزءا من الذاكرة البصرية والوطنية الفلسطينية".
وقالت الوزارة إن "اسم سليمان منصور كان مرتبطًا بصورة فلسطين..من خلال لوحته الشهيرة (جمل المحامل) التي تحولت إلى أيقونة فنية ووطنية، اختزلت في صورتها حكاية شعب يحمل وطنه وتاريخه وذاكرته".
وتصوّر هذه اللوحة حمّالا فلسطينيا مسنا يحمل مدينة القدس على ظهره.
وأضافت وزارة الثقافة "بقيت أعماله تستحضر الأرض والقدس والتراث والثوب الفلسطيني والزيتون لتكون شاهدة على التاريخ الفلسطيني وحارسة للهوية".
وُلد منصور في بيرزيت عام 1947، وقضى جانبًا من طفولته ومراهقته في مدرستين داخليتين في بيت لحم وبيت جالا.
وكان يخطط لدراسة الفن في الولايات المتحدة، لكن حرب يونيو 1967 غيرت مساره، فالتحق بأكاديمية بتسلئيل للفنون في القدس، ودرس فيها بين عامي 1967 و1970.
وقد أسهم الراحل في تأسيس رابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، و"جاليري 79"، ومركز الواسطي للفنون في القدس، والأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين. وعمل في التعليم والكاريكاتير وتوثيق الأزياء والتطريز الشعبيين.
نال منصور الجائزة الكبرى للنيل في بينالي القاهرة السابع، وجائزة فلسطين للفنون البصرية عام 1998، وجائزة اليونسكو–الشارقة للثقافة العربية عام 2019، وجائزة النيل للمبدعين العرب عام 2025. وفي 2024، أنجز للمتحف الفلسطيني جداريته الدائمة "على جناح ملاك" من الطين والتبن والحناء.
وقبل أيام من رحيله، أطلقت مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومركز يبوس الثقافي في القدس كتاب "على درب الغول، سيرة غيرية: مذكرات سليمان منصور"، الذي أعدته رنا عناني من مقابلات مطولة معه بين عامي 2020 و2023.

















0 تعليق