نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الأزهر للدراسة لا للإقامة, اليوم الخميس 27 أغسطس 2026 02:15 مساءً
منذ مئات السنين، اعتادت مصر أن تفتح أبوابها لطلاب العلم من كل أنحاء العالم. يأتي الطالب إلى القاهرة غريبًا، يدخل الأزهر طالبًا للعلم، يتعلم العربية والفقه والحديث والتفسير، ثم يعود إلى بلده حاملًا علمًا أزهريًا ورسالة مصرية، ليصبح في وطنه امتدادًا لمنارة الأزهر.
وهذه واحدة من أجمل صور القوة الناعمة المصرية.. أن يأتي العالم إلى مصر ليتعلم، ثم تحمل مصر في حقائبه إلى العالم. لكن ماذا لو انقلبت المعادلة؟ ماذا لو جاء الطالب للدراسة، ثم انتهت دراسته ولم تنته إقامته؟ وماذا لو أصبح الحصول على شهادة جديدة وسيلة للحصول على أربع سنوات جديدة في مصر، ثم شهادة أخرى تعني أربع سنوات أخرى، وبين هذه السنوات تستقدم الأسرة، وتستقر الحياة، ويصبح الرحيل عن مصر هو الاستثناء لا القاعدة؟
هنا لا تعود القضية مجرد طالب وافد.. وإنما تصبح قضية إقامة تحتاج إلى مراجعة.. المشكلة التي تستحق أن تفتح الدولة ملفها أن هناك وافدين يستغلون الدراسة -بحسب وقائع وشكاوى تستوجب التحقيق والتدقيق- لأغراض تتجاوز التحصيل العلمي.
يبدأ الطالب في كلية أو تخصص، وبعد انتهاء سنوات الدراسة وحصوله على المؤهل، بدلًا من العودة إلى بلده، يتقدم للتسجيل في تخصص آخر داخل الأزهر، فيبدأ دورة دراسية جديدة تمتد أربع سنوات. وحين تنتهي السنوات الأربع، يمكن أن تتكرر القصة مرة أخرى: تخصص جديد، أوراق جديدة، وإقامة جديدة.
وخلال هذه السنوات، لا يبقى الطالب وحده بالضرورة؛ فمع استمرار الإقامة يمكن أن تستقدم الأسرة، فيصبح الزوج أو الزوجة والأبناء جزءًا من الحياة اليومية في مصر. ومع تكرار السنوات والدورات الدراسية، تتحول الإقامة المؤقتة تدريجيًا إلى استقرار طويل، وقد تمتد لسنوات وعقود.
وهنا يجب أن نسأل السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه: هل نحن أمام طالب جاء إلى مصر ليتعلم ثم يعود إلى بلده، أم أمام شخص يستخدم الدراسة كوسيلة للإقامة المفتوحة؟
المشكلة ليست في الطالب الأجنبي، ولا في جنسيته، ولا في حقه في التعلم. المشكلة في أي نظام يسمح بتحويل الإقامة الدراسية إلى إقامة دائمة مقنعة. فالدراسة لها بداية ونهاية، والإقامة المرتبطة بها يجب أن تكون مرتبطة بهذه المدة، لا أن تصبح طريقًا مفتوحًا للبقاء.
والأمر له مخاطر تتجاوز مسألة الإقامة. فكل إقامة طويلة لأعداد كبيرة من الأجانب تحتاج إلى متابعة دقيقة من الدولة: من يقيم؟ لماذا يقيم؟ إلى متى؟ هل ما زال طالبًا بالفعل؟ هل يعمل؟ هل لديه نشاط تجاري؟ وهل كل ذلك يتم وفق القانون؟
كما أن أي ثغرة في نظام الإقامة يمكن أن يستغلها أصحاب الأغراض غير المشروعة. وهذا لا يعني اتهام الطلاب الوافدين أو التعميم عليهم، وإنما يعني أن الأمن القومي لا يقوم على حسن الظن وحده، بل على التحقق والمتابعة وتطبيق القانون.
ولهذا فإن الحل ليس إغلاق أبواب الأزهر، وإنما ضبطها. يجب ربط الإقامة بالتقدم الدراسي الحقيقي، ووضع حد زمني واضح للإقامة التعليمية، وتنظيم الانتقال من كلية إلى أخرى حتى لا يتحول إلى وسيلة لتجديد الإقامة بلا نهاية، ومراجعة أوضاع من أمضوا سنوات طويلة في مصر تحت مظلة الدراسة، والتأكد من قانونية أعمالهم وأنشطتهم ومصادر دخلهم.
كما يجب ألا تتحول إقامة الطالب إلى إقامة دائمة للأسرة دون ضوابط، ومن يريد العمل أو الاستثمار في مصر فعليه أن يدخل من الباب القانوني المخصص لذلك.
لكن هناك حلًا أكثر ذكاءً من كل ذلك: أن يذهب الأزهر إلى الطلاب بدلًا من أن يأتي الجميع إلى مصر. الدول التي يأتي منها أعداد كبيرة من الطلاب يمكن أن يوفد إليها الأزهر علماء وأساتذة متخصصين في الفقه وأصول الدين والحديث والتفسير واللغة العربية، وأن ينشئ فيها مراكز أزهرية لتدريس العلوم الشرعية والمنهج الأزهري.
ويمكن كذلك التوسع في التعليم عن بُعد، بحيث يستطيع الراغب في دراسة العلوم الإسلامية والعربية أن يتلقى التعليم الأزهري في بلده دون أن تكون الإقامة الطويلة في مصر شرطًا للحصول عليه.
وهكذا يتحول الأزهر من مؤسسة تستقبل طلاب العالم في القاهرة فقط إلى مؤسسة تحمل رسالتها إلى العالم كله: علماء أزهريون في الخارج، مراكز تعليمية في الدول التي يأتي منها أكبر عدد من الطلاب، تعليم إلكتروني متطور، واستقبال من يحتاج فعلًا إلى الدراسة داخل مصر، مع إقامة دراسية محددة ومنضبطة.
نحن لا نريد إغلاق أبواب الأزهر أمام العالم، وإنما نريد حماية الأزهر من أن تتحول رسالته العلمية، من حيث لا يريد، إلى باب خلفي للإقامة الدائمة.
من جاء إلى مصر طالبًا للعلم، فأهلًا به.. لكن من انتهت دراسته، يجب ألا تتحول شهادة جديدة إلى ذريعة لإقامة جديدة بلا نهاية. الأزهر للدراسة.. ومصر للعلماء والطلاب.. أما الإقامة الدائمة فلها أبوابها وقوانينها.


















0 تعليق