في وقت تتصاعد فيه شكاوى المزارعين من ارتفاع أسعار المبيدات الزراعية، وسط حديث متداول عن وصول نسبة المبيدات المغشوشة إلى 80%، تتجه الأنظار إلى بدائل أكثر أمانًا وأقل تكلفة، وفي مقدمتها المكافحة الحيوية التي تعتمد على استخدام الحشرات النافعة والمفترسات والطفيليات والكائنات الدقيقة لمواجهة الآفات التي تهدد المحاصيل.
وبين مخاوف ارتفاع تكلفة الإنتاج وصعوبة السيطرة على الآفات، تطرح المكافحة الحيوية تساؤلًا مهمًا: هل يمكن أن تتحول الحشرات النافعة من أداة لحماية المحاصيل إلى وسيلة لتخفيف الأعباء المالية عن المزارعين، وتقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية، أم أن تعميمها يحتاج إلى استثمارات وتدريب وإمكانات قد تحد من انتشارها؟
الدكتور عبد الخالق محمد حسين، الأستاذ المتفرغ بمعهد بحوث وقاية النباتات، أوضح في تصريحات خاصة لـ«عرب بريس»، أن استخدام الحشرات والكائنات الحية في حماية المحاصيل الزراعية يندرج تحت ما يعرف بالمكافحة الحيوية، وهي أحد أهم الاتجاهات الحديثة التي تعتمد عليها دول العالم للحد من استخدام المبيدات الكيميائية.
وأكد أن المكافحة الحيوية لا تقتصر على الحشرات النافعة فقط، بل تشمل الميكروبات والجراثيم والكائنات الدقيقة، إلى جانب الحشرات والطفيليات التي تتطفل على الحشرات الضارة وتكسر دورة حياتها، بما يؤدي إلى تقليل أعداد الآفات دون الإضرار بالبيئة أو الإنسان.
«الترايكوجراما».. حشرة دقيقة تدخل معركة إنقاذ المحاصيل
وأشار عبد الخالق إلى أن طفيل «الترايكوجراما» يعد من أشهر نماذج المكافحة الحيوية المستخدمة في مصر، إذ تتم تربيته داخل معامل متخصصة بأعداد تصل إلى ملايين الحشرات، وفق نظام علمي دقيق يسمح بإكثاره والاستفادة منه في مكافحة الآفات الزراعية.
وأوضح أن عملية الإنتاج تبدأ بوضع الحشرة لبيضها، ثم استخدام طفيل يتطفل على هذا البيض، وبعد ذلك تُنشر الحشرات في الحقول الزراعية، لتبدأ في البحث عن الحشرات الضارة وتعقبها من خلال الروائح التي تفرزها، ثم تتطفل عليها وتقضي عليها، بما يجعلها وسيلة لمكافحة كثير من الآفات دون اللجوء إلى المبيدات الكيميائية.
وأضاف أن الترايكوجراما ليست النموذج الوحيد في هذا المجال، فهناك وسائل أخرى تعتمد على البكتيريا والكائنات الجرثومية والمفترسات الحيوية التي تستهدف آفات معينة، بما يتيح استخدام عدو حيوي مناسب لكل آفة وفق طبيعتها.
المفترس الأكاروسي، سلاح طبيعي ضد العنكبوت الأحمر
وأوضح أستاذ وقاية النباتات أن المفترسات الأكاروسية تمثل أحد نماذج المكافحة الحيوية المهمة، وهي كائنات تتغذى على الأكاروسات الضارة بالنباتات، وعلى رأسها العنكبوت الأحمر الذي يعد من أخطر الآفات التي تصيب العديد من المحاصيل الزراعية.
وأشار إلى وجود مفترسات حشرية أخرى تتخصص في القضاء على أنواع معينة من الحشرات، بحيث يمكن لكل آفة تقريبًا أن يكون لها عدو حيوي يسهم في الحد من انتشارها بصورة طبيعية، وهو ما يفتح المجال أمام توسيع استخدام المكافحة الحيوية بدلًا من الاعتماد المستمر على المبيدات.
دودة الحشد، تجربة لمواجهة آفة تهدد الذرة
ولفت عبد الخالق إلى أن مصر واجهت خلال الفترة الأخيرة آفة جديدة قدمت من إفريقيا، هي دودة الحشد التي تهاجم محصول الذرة وتتسبب في خسائر كبيرة، موضحًا أن مكافحتها تتم باستخدام طفيل يشبه الترايكوجراما، يجري نشره داخل حقول الذرة.
وبحسب شرحه، يبدأ الطفيل بعد فقسه في تتبع الحشرة المستهدفة والتطفل عليها والقضاء عليها، بما يسهم في حماية المحصول وتقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية، مؤكدًا أن هذه التجربة تعد من أبرز الأمثلة على استخدام المكافحة الحيوية في مواجهة الآفات الزراعية الحديثة.
من المعمل إلى الحقل، كيف تتحول الفكرة إلى وسيلة للمكافحة؟
وأكد أستاذ وقاية النباتات أن تطبيق المكافحة الحيوية يبدأ داخل المعامل والمراكز البحثية، حيث تُجرى الدراسات والتجارب اللازمة للتأكد من فاعلية الحشرة أو الطفيل ومدى ملاءمته للبيئة المصرية، قبل الانتقال إلى مرحلة التطبيق العملي داخل الحقول.
وأوضح أن نجاح التجربة يتطلب تربية مكثفة للحشرات والطفيليات النافعة، بهدف إنتاج أعداد ضخمة تكفي للاستخدام الزراعي، مشيرًا إلى أن البطارية الواحدة المستخدمة في تربية طفيل الترايكوجراما قد تحتوي على ما بين 10 و15 مليون حشرة، تُستخدم لإنتاج أجيال جديدة يتم نشرها في الحقول لمكافحة آفات مثل دودة ورق القطن وغيرها.
وتعتمد هذه المرحلة على توفير بيئة مناسبة لتربية الحشرات النافعة، مع امتلاك الخبرة العلمية والعملية اللازمة لضمان إنتاج أعداد كبيرة منها، بما يسمح بتوفير احتياجات الحقول الزراعية وتوسيع نطاق استخدام المكافحة الحيوية.
400 إلى 600 جنيه للفدان، هل تتفوق المكافحة الحيوية على المبيدات؟
وفيما يتعلق بالجدوى الاقتصادية، أكد عبد الخالق أن المكافحة الحيوية أصبحت أقل تكلفة من استخدام المبيدات في بعض التطبيقات، خاصة مع الارتفاعات الكبيرة في أسعار المبيدات والأسمدة والمواد الكيميائية نتيجة التضخم العالمي.
وأوضح أن تربية الحشرات النافعة كانت مكلفة في الماضي، لكن التطور العلمي جعلها أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية، إلى جانب ما توفره من أمان أكبر للإنسان والنبات والبيئة.
وأشار إلى أن التكلفة الأساسية لإنشاء منظومة للمكافحة الحيوية تتركز في تجهيز المعمل وإدارته بواسطة مهندس زراعي أو باحث يمتلك الخبرة اللازمة في تربية الحشرات والطفيليات، وهو ما يتطلب تدريبًا جيدًا للوصول إلى إنتاج أعداد كبيرة بأقل تكلفة ممكنة.
وضرب مثالًا بالمكافحة الحيوية لأكاروس العنكبوت الأحمر، موضحًا أن تكلفة مكافحة الفدان باستخدام المفترسات الحيوية تتراوح بين 400 و600 جنيه خلال العروة الزراعية التي تمتد لنحو ثلاثة أشهر، في حين تتجاوز تكلفة المكافحة باستخدام المبيدات ألف جنيه للفدان وفق الأسعار الحالية.
وبحسب هذه المقارنة التي عرضها الخبير، فإن استخدام المفترسات الحيوية قد يحقق وفرًا ماليًا للمزارع، فضلًا عن الحد من الاعتماد على المبيدات والحفاظ على جودة المحاصيل وإنتاجيتها، إلى جانب تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام المواد الكيميائية.
المزارع المصري يستطيع تربية الحشرات النافعة بنفسه
وشدد عبد الخالق على أن انتشار المكافحة الحيوية لا يرتبط بتوفير الحشرات النافعة فقط، بل يحتاج أيضًا إلى نشر ثقافة زراعية جديدة بين المزارعين، على غرار ما يحدث في كثير من الدول الأوروبية التي تعتمد على هذه الوسائل في حماية المحاصيل.
وأوضح أن المزارع الواعي يمكنه مستقبلًا الاعتماد على نفسه في تربية المفترسات والحشرات النافعة داخل مزرعته، من خلال إنشاء معمل بسيط يخدم احتياجاته الزراعية، مؤكدًا أن الأمر ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب معرفة جيدة بأساسيات تربية الحشرات النافعة ودورات حياتها.
وأضاف أن نجاح هذه التجربة يستلزم توفير الإمكانات الأساسية داخل المعمل، ومنها أجهزة التكييف والتدفئة خلال فصل الشتاء، فضلًا عن توفير الغذاء المناسب للحشرة أو الطفيل، حتى تتم عملية التربية بصورة صحيحة وتنتج أعدادًا كبيرة يمكن استخدامها في مكافحة الآفات.
وأشار إلى أن وصول المزارع المصري إلى هذه المرحلة سيمثل نقلة في منظومة الإنتاج الزراعي، ويقربه من التجارب الأوروبية التي يعتمد فيها كثير من المزارعين على إنتاج المفترسات داخل مزارعهم الخاصة.
معهد وقاية النباتات يفتح باب التدريب، ومشروع واعد للشباب
وأوضح أستاذ وقاية النباتات أن الراغبين في إنشاء معامل لتربية المفترسات أو الحشرات النافعة يمكنهم التواصل مع مركز البحوث الزراعية والالتحاق بالدورات التدريبية التي ينظمها بصورة مستمرة.
وأشار إلى أن معهد بحوث وقاية النباتات بالدقي، ومعهد أمراض النبات بالجيزة، يقدمان برامج تدريبية متخصصة يحصل من خلالها المتدربون على الأساسيات العلمية والمهارات العملية اللازمة لتربية الحشرات والمفترسات بصورة ناجحة.
وأضاف أن تعاون مجموعة من المزارعين داخل المنطقة الواحدة لإنشاء معمل مشترك يمثل فكرة جيدة، خاصة أن هذا المجال يمكن أن يشكل مشروعًا واعدًا للشباب والخريجين، وقابلًا للتنفيذ داخل القرى والمناطق الريفية، مع إمكانية تحقيق عائد اقتصادي جيد.
الأراضي الجديدة تتجه إلى المفترسات، والفلفل الألوان والطماطم الشيري نموذجان
وأكد عبد الخالق أن عددًا من المناطق الزراعية المستصلحة، خاصة الأراضي الرملية المتاخمة لمدينة السادات وعلى امتداد الطريق الصحراوي وحتى قرى الخريجين، أصبح يعتمد بصورة رئيسية على المفترسات الحشرية والطفيليات المستخدمة في المكافحة الحيوية.
وأوضح أن هذه المناطق تضم باحثين ومتخصصين لديهم خبرة في نشر الحشرات النافعة داخل الحقول، وهو ما ساهم، بحسب قوله، في تحقيق طفرة واضحة في إنتاجية المحاصيل.
وأشار إلى أن محاصيل الفلفل الألوان المخصص للتصدير والطماطم الشيري أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على المفترسات الحشرية وبعض الطفيليات، وعلى رأسها طفيل الترايكوجراما، لافتًا إلى وجود مهندسين زراعيين يعملون بجهود فردية على نشر هذه الثقافة، ويستحقون الدعم لتوسيع معاملهم وزيادة إنتاجهم.
وبين ارتفاع أسعار المبيدات وتحديات مكافحة الآفات، تطرح هذه التجارب مسارًا بديلًا يقوم على توظيف الأعداء الحيوية للآفات داخل الحقول، مع الاعتماد على البحث العلمي والتدريب وتوفير إمكانات التربية والإنتاج، بما يتيح للمزارعين خيارات متنوعة لحماية محاصيلهم وتقليل تكاليف المكافحة.
- تكلفة البيروقراطية.. خبير لـ”الوطن”: اختصروا الإجراءات قبل أن تخسروا الاستثمار
- جنود الطبيعة في مواجهة الآفات، أعداء حيوية تحمي المحصول وتقلل فاتورة المبيدات
- بشرى لأصحاب المخابز، زيادة جديدة في تكلفة إنتاج الخبز وموعد التطبيق
- شعبة الدواجن: نبيع بأقل من التكلفة الفعلية وصغار المربين يواجهون شبح الإفلاس
- خبير اقتصادي: ارتفاع الدولار يرفع تكلفة المواد الخام ويضغط على الأسواق المحلية






