كل صباح، تتعلق عيون الأطفال بأبواب المدارس، يحملون حقائبهم الصغيرة وأحلامًا أكبر من أعمارهم، يحلمون بصديق يشاركهم اللعب، ومعلم يشجعهم، وفصل يجدون فيه مكانًا يشبههم ويحتضن اختلافهم، لكن خلف بعض الأبواب تختبئ حكايات لا تراها العيون؛ طفل يختار الجلوس وحيدًا في آخر الفصل، وآخر يخفض رأسه كلما سمع ضحكات زملائه، وثالث يتمنى أن تمر ساعات اليوم الدراسي سريعًا حتى ينجو من كلمات جارحة أو يد تمتد إليه بالأذى، فتتحول فسحة المدرسة من مساحة للمرح إلى لحظات يترقب فيها الخطر، ويصبح جرس الصباح موعدًا مع الخوف بدلًا من أن يكون بداية ليوم جديد من التعلم والاكتشاف.
وتزداد قسوة الحكاية حين يغادر الطفل أسوار المدرسة، فلا يجد في هاتفه ملاذًا من السخرية أو التهديد، بل تمتد إليه الإساءات عبر الشاشات، وتلاحقه الصور والتعليقات والكلمات القاسية حتى في غرفته وبين أفراد أسرته، وكأن التنمر يسرق منه حقه في الشعور بالأمان أينما ذهب، تاركًا في روحه جروحًا قد لا تظهر على ملامحه، لكنها تنعكس على ضحكته وثقته بنفسه وعلاقته بالعالم من حوله
اليوم العالمي لمناهضة التنمر في المدارس
ويأتي اليوم الدولي لمناهضة العنف والتنمر في المدارس، بما في ذلك التنمر الإلكتروني، في أول خميس من شهر نوفمبر كل عام، ويوافق في عام 2026 يوم الخميس 5 نوفمبر، بهدف تسليط الضوء على مخاطر هذه الظاهرة، وتعزيز الجهود الرامية إلى توفير بيئة تعليمية آمنة وشاملة تحترم حقوق الطلاب وكرامتهم.
أشكال متعددة للعنف والتنمر
لا يقتصر العنف المدرسي على الضرب والاعتداء الجسدي، بل يشمل الإهانة والسخرية والتهديد والإقصاء الاجتماعي ونشر الشائعات، فضلًا عن تعمد عزل بعض الطلاب أو التقليل من شأنهم بسبب مظهرهم أو ظروفهم الاجتماعية أو قدراتهم.
ويعد التنمر سلوكًا عدوانيًا متكررًا يستهدف شخصًا يجد صعوبة في الدفاع عن نفسه، نتيجة اختلال ميزان القوة بينه وبين المعتدي، وقد يحدث بصورة مباشرة داخل الفصول والساحات المدرسية، أو بصورة غير مباشرة من خلال الوسائل الإلكترونية.
وتشير تقديرات اليونسكو إلى أن نحو طالب من كل ثلاثة يتعرض للتنمر في المدارس شهريًا، وهو ما يكشف حجم المشكلة وضرورة التعامل معها باعتبارها تحديًا تربويًا ومجتمعيًا يتطلب حلولًا مستمرة.
التنمر الإلكتروني.. خطر يلاحق الأطفال خارج المدرسة
أضاف انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي أبعادًا جديدة لظاهرة التنمر، إذ أصبح بعض الطلاب يتعرضون للتهديد أو السخرية أو التشهير عبر الرسائل والمجموعات الإلكترونية، أو من خلال نشر صور ومقاطع دون موافقتهم.
تتمثل خطورة هذا النوع، في سرعة انتشار المحتوى المسيء وصعوبة السيطرة عليه، فضلًا عن إمكانية استمرار الإيذاء على مدار اليوم، بما يحرم الطفل من الشعور بالأمان حتى داخل منزله.
وتتطلب مواجهة التنمر الإلكتروني توعية الأطفال بقواعد الاستخدام الآمن للإنترنت، واحترام الخصوصية، وعدم تداول المحتوى المسيء، مع تعليمهم كيفية حظر الحسابات المعتدية والإبلاغ عنها والاحتفاظ بالأدلة الرقمية عند التعرض للتهديد أو الابتزاز.
آثار نفسية وتعليمية قد تستمر طويلًا
لا تنتهي آثار التنمر بانتهاء الواقعة، فقد يعاني الطفل من فقدان الثقة بالنفس والقلق والعزلة الاجتماعية والخوف من الذهاب إلى المدرسة، كما قد يتراجع مستواه الدراسي نتيجة ضعف التركيز والشعور المستمر بالضغط النفسي.
وتظهر علامات التعرض للتنمر في صورة رفض الذهاب إلى المدرسة، أو اضطرابات النوم، أو الانسحاب من الأنشطة التي كان يحبها، أو التغير المفاجئ في سلوكه وعلاقاته بأصدقائه.
ويحتاج الطفل إلى الاحتواء والاستماع إليه دون لوم أو تقليل من معاناته، مع توفير الدعم النفسي المناسب والتدخل المبكر لمنع استمرار الإساءة أو تكرارها.
الأسرة والمدرسة.. شراكة لحماية الأطفال
تبدأ مواجهة التنمر من الأسرة، من خلال بناء علاقة قائمة على الحوار والثقة، وتشجيع الأبناء على التعبير عن مشكلاتهم دون خوف، وتعليمهم احترام الآخرين وتقبل الاختلاف، مع متابعة استخدامهم للأجهزة الإلكترونية وتوعيتهم بمخاطر مشاركة المعلومات والصور الشخصية
أما المدرسة، فتتحمل مسؤولية توفير بيئة تعليمية آمنة، ووضع قواعد واضحة لمواجهة العنف، وتدريب المعلمين والأخصائيين على اكتشاف حالات التنمر والتعامل معها، إلى جانب توفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ عن الوقائع
ولا ينبغي أن يقتصر التعامل مع الطالب الذي يمارس التنمر على العقاب، بل يجب فهم الأسباب التي تدفعه إلى هذا السلوك، ومساعدته على اكتساب مهارات التعاطف وضبط النفس واحترام الآخرين، مع ضمان حماية الطفل المتضرر
الطلاب المتفرجون.. دور مهم في وقف التنمر
يمثل الطلاب الذين يشاهدون وقائع التنمر دون مشاركة طرفًا مؤثرًا في استمرار الظاهرة أو الحد منها، فقد يشجع ضحكهم أو صمتهم المعتدي على تكرار سلوكه، بينما يمكن لمساندة زميلهم وإبلاغ المعلمين ورفض المشاركة في السخرية أن تسهم في وقف الإيذاء
ومن هنا تبرز أهمية نشر ثقافة التضامن بين الطلاب، وتعليمهم أن الدفاع عن زميل يتعرض للإهانة موقف إنساني يعكس الاحترام والمسؤولية، وليس تدخلًا في شؤون الآخرين
كيف نبني بيئة تعليمية آمنة؟
تحتاج مواجهة العنف والتنمر إلى خطة متكاملة تشمل توعية الطلاب والأسر، وتدريب المعلمين، وتفعيل دور الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، وتطوير الأنشطة المدرسية التي تعزز التسامح وقبول الاختلاف
كما ينبغي تطبيق إجراءات واضحة للتعامل مع الشكاوى، وتوفير الدعم النفسي للضحايا، ومتابعة الحالات المتكررة، وتعزيز المواطنة الرقمية حتى يدرك الأطفال أن احترام الآخرين لا يقتصر على التعامل المباشر، بل يمتد إلى العالم الافتراضي أيضًا
الطفولة الآمنة مسؤولية الجميع
المدرسة التي يحتاج إليها الأطفال ليست تلك المكان الذي يتلقى فيه الدروس وحفظ المناهج، بل مساحة إنسانية يشعرون فيها بالقبول والاحترام، ويستطيعون التعبير عن أنفسهم دون خوف من السخرية أو الاعتداء
وربما يحتاج إنقاذ طفل من التنمر إلى معلم ينتبه إلى حزنه، وأب يستمع إلى شكواه، وزميل يرفض المشاركة في الإساءة، وإدارة مدرسية تتعامل بجدية مع كل واقعة.
- "معًا لمواجهة العنف والتنمر"، ندوة توعوية بإعلام الوادي الجديد لتعزيز الوعي الطلابي
- «دبي لرعاية النساء والأطفال» تُوعي بمواجهة التنمُّر
- محافظ الدقهلية يتفقد مدرستين بالسنبلاوين ويشيد بمستواهما التعليمي
- ابنك عنده أعراض إيه تخليه مايروحش المدرسة؟.. علامات لازم تنتبهي لها
- طفلك بيتعرض للتنمر؟.. 10 علامات سلوكية تكشف المشكلة قبل ما يحكى






