أكد الدكتور محمد ممدوح، رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن الذكرى الثالثة والخمسين لنصر السادس من أكتوبر تمثل مناسبة وطنية تتجاوز استعادة الأرض إلى استعادة حق شعب كامل في السيادة وتقرير المصير، وتجسد حقيقة راسخة مفادها أن الحقوق التاريخية للشعوب لا تسقط بمرور الزمن، وأن فرض الأمر الواقع بالقوة لا يمنحه المشروعية ولا يحوله إلى حق.
السلام والحق في العدالة
وأوضح ممدوح أن أحد أهم المعاني الحقوقية التي رسخها نصر أكتوبر هو الارتباط الوثيق بين الحق في السلام والحق في العدالة، فالشعوب لا تحتاج فقط إلى غياب الحرب، وإنما إلى سلام يحفظ الحقوق ويصون السيادة ويوفر للإنسان الأمن والاستقرار. ومن هنا فإن السلام المستدام لا يبنى على اختلال موازين القوة أو تجاهل المظالم، وإنما على احترام القانون الدولي والحقوق المشروعة للشعوب.
مفهوم الأمن الإنساني
وأشار إلى أن تجربة أكتوبر تقدم كذلك درسًا مهمًا في مفهوم الأمن الإنساني، فالأمن لا يعني فقط حماية حدود الدولة، وإنما يشمل أيضًا حماية الإنسان من الخوف والفقر والتهميش والتمييز، وضمان حقه في التعليم والصحة والعمل والحماية الاجتماعية والعيش الكريم. فالدولة تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات كلما كان مواطنوها أكثر شعورًا بالعدالة والانتماء والثقة في المستقبل.
التماسك الحقيقي لا يصنع بالشعارات
وأضاف أن قوة الجبهة الداخلية التي صنعت الفارق في أكتوبر تفتح أمامنا اليوم سؤالًا أكثر عمقًا حول كيفية بناء التماسك المجتمعي، مؤكدًا أن التماسك الحقيقي لا يصنع بالشعارات، وإنما بسيادة القانون والمساواة أمامه، وتكافؤ الفرص، وعدم التمييز، وإتاحة المجال أمام المواطنين للمشاركة والتعبير وتحمل المسؤولية العامة.
وأكد ممدوح أن الحق في المشاركة يمثل أحد أهم ضمانات قوة المجتمعات واستقرارها، خاصة بالنسبة للشباب، لأن الأجيال الجديدة لا ينبغي أن تكون مجرد متلقٍ للسياسات أو شاهد على ما يجري حولها، وإنما شريك في تحديد الأولويات وصناعة الحلول وتحمل مسؤولية المستقبل. وتمكين الشباب يبدأ بالاستماع إليهم وإتاحة الفرص أمامهم وبناء قدراتهم وفتح مسارات حقيقية لمشاركتهم في الحياة العامة.
الحق في المعرفة والوعي
ولفت إلى أن ذكرى أكتوبر تفرض أيضًا مسؤولية تتعلق بالحق في المعرفة والوعي، موضحًا أن حماية الذاكرة الوطنية ونقل التاريخ إلى الأجيال الجديدة بصورة واعية وموضوعية جزء من بناء الشخصية الوطنية، لأن الأجيال التي تعرف حجم التضحيات التي قدمت من أجل وطنها تكون أكثر إدراكًا لقيمة السلام، وأكثر قدرة على التمييز بين الحقائق والشائعات، وأكثر استعدادًا لتحمل مسؤوليتها تجاه المجتمع.
حماية الفئات الأولى بالرعاية
وشدد ممدوح على أن العدالة الاجتماعية تمثل بدورها ركيزة أساسية من ركائز الأمن والاستقرار، وأن حماية الفئات الأولى بالرعاية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتحقيق تكافؤ الفرص، وضمان وصول ثمار التنمية إلى مختلف فئات المجتمع، ليست ملفات منفصلة عن قوة الدولة، وإنما جزء أصيل من قدرتها على بناء مجتمع متماسك لا يترك أحدًا خلفه.
احترام حقوق الإنسان
وأضاف أن احترام حقوق الإنسان لا ينبغي النظر إليه باعتباره ملفًا منفصلًا عن المصالح الوطنية، فصون الحقوق والحريات، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز المساءلة، ومواجهة التمييز، وحماية الفئات الأكثر احتياجًا، كلها عناصر تدعم ثقة المواطن في مؤسسات دولته وتعزز قدرته على المشاركة في حمايتها وبنائها.
وأكد أن أحد أعظم الدروس التي تركها جيل أكتوبر هو قيمة الإنسان نفسه. فقبل السلاح كانت هناك إرادة، وقبل العبور كانت هناك سنوات من العلم والتدريب والعمل والصبر. وهذا المعنى يضع الاستثمار في الإنسان في قلب أي مشروع وطني جاد، لأن الإنسان الواعي والمتعلم والقادر على ممارسة حقوقه وتحمل مسؤولياته هو الضمانة الحقيقية لاستمرار قوة الدولة.
ووجه ممدوح التحية إلى رجال القوات المسلحة المصرية وشهداء الوطن وأبطال حرب أكتوبر، وإلى كل أسرة مصرية تحملت أعباء تلك المرحلة، مؤكدًا أن الوفاء لتضحياتهم لا يكون فقط باستحضار بطولات الماضي، وإنما ببناء حاضر يليق بما قدموه ومستقبل يحصل فيه كل مواطن على فرصته العادلة في الحياة والمشاركة والتنمية.
واختتم ممدوح تصريحه بالتأكيد على أن جيل أكتوبر أدى مسؤوليته التاريخية حين استرد الأرض وكسر واقعًا فرضته القوة، بينما تتمثل مسؤولية الأجيال الحالية في بناء دولة أكثر قدرة على صون الإنسان وحماية حقوقه وتحقيق العدالة بين مواطنيها.
فالأوطان لا تحمي حدودها فقط، وإنما تحمي كذلك حق أبنائها في حياة آمنة وكريمة، ولا تكتمل قوة الدولة إلا حين يشعر كل مواطن، دون تمييز، أن له مكانًا فيها وحقًا مصونًا وصوتًا مسموعًا وفرصة عادلة ومستقبلًا يستحق أن يكون شريكًا في صناعته.






