في وقت تتجه فيه الدولة إلى تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية وتقليل الفاقد والمخلفات، برز مشروع مصري يحول مخلفات التقليم والتصنيع الزراعي والغذائي إلى خامات تدخل في صناعة الأعلاف، في محاولة لتحويل أحد التحديات البيئية إلى مورد اقتصادي وغذائي قابل للتطبيق والتوسع.
ويشارك المشروع، الذي قدمه عمرو محمد مصطفى حسانين حجازي، المتخصص في إعادة تدوير المخلفات الزراعية، ضمن فئة الشركات الناشئة وحاضنات التكنولوجيا في مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026، تحت مظلة مبادرة «دولة الابتكار الزراعي».
ولا تقف الفكرة عند حدود البحث أو التجربة، إذ وصل المشروع بالفعل إلى مرحلة التنفيذ، مستهدفا إنتاج خامات أعلاف بديلة من المخلفات الزراعية ومخلفات التصنيع الزراعي والغذائي، بما يفتح المجال أمام إقامة سلسلة قيمة جديدة تجمع بين الزراعة والصناعة والبيئة.
من تقليم الأشجار إلى صناعة الأعلاف
يعتمد المشروع على الاستفادة من مخلفات تقليم الأشجار، ومن بينها مخلفات أشجار الحمضيات والزيتون، إلى جانب المخلفات الناتجة عن عمليات التصنيع الزراعي والغذائي.
وتبدأ المنظومة بجمع المخلفات الزراعية ونقلها إلى وحدات المعالجة، حيث تخضع لعمليات التقطيع والتجهيز وإضافة بعض المكونات لتحسين خصائص المنتج، ثم الطحن والتكعيب «Pelleting»، قبل تجهيز الخامات للتوريد إلى مصانع الأعلاف والجهات المستفيدة.
وبذلك تتحول المخلفات من مادة تحتاج إلى التخلص منها إلى خام يمكن إدخاله في دورة إنتاج جديدة، بما يضيف لها قيمة اقتصادية بدلا من فقدها.
ووفقا للبيانات المقدمة عن المشروع، خضعت المنتجات للدراسة والاختبار من جانب قطاع الإنتاج الحيواني والداجني بوزارة الزراعة، وتم اعتمادها كخامة من خامات الأعلاف المتداولة في الأسواق.
حل لمشكلتين في وقت واحد
يرتكز الابتكار على الربط بين تحديين رئيسيين؛ أولهما المخلفات الزراعية وما تمثله من عبء بيئي واقتصادي، والثاني الحاجة إلى توفير خامات تدخل في صناعة الأعلاف وتقليل الاعتماد على الخامات المستوردة.
ويقدم المشروع معادلة تقوم على جمع المخلفات الزراعية، ثم معالجتها وتصنيعها وتحويلها إلى خامات أعلاف، وصولا إلى منتج اقتصادي يمكن تسويقه والاستفادة منه.
كما يستهدف المشروع الاستفادة من مخلفات تقليم الأشجار ومخلفات التصنيع الزراعي والغذائي بدلا من التخلص منها بطرق قد تسبب أضرارا بيئية، مع إمكانية توفير مصدر مستمر للخامات على مدار العام.
تقليل تكلفة خامات الأعلاف
يستهدف المشروع توطين جزء من صناعة خامات الأعلاف من خلال توفير بدائل محلية للخامات التي يعتمد السوق على استيرادها.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية بالنسبة لصناعة الأعلاف، باعتبارها أحد المكونات الرئيسية في تكلفة الإنتاج الحيواني والداجني، وبالتالي فإن توفير خامات محلية بأسعار تنافسية يمكن أن يدعم سلسلة الإنتاج بالكامل.
وبحسب البيانات المقدمة من صاحب الابتكار، يمكن أن تصل تكلفة المنتج إلى نحو 50% أقل من بعض الخامات التقليدية المنافسة، مع الحفاظ على مستويات الجودة والقيمة الغذائية المستهدفة.
ولا يقتصر الهدف على خفض التكلفة، وإنما يمتد إلى بناء صناعة محلية تستفيد من موارد موجودة بالفعل داخل مصر وتحول المخلفات إلى منتج له قيمة اقتصادية.
3 آلاف طن شهريا، خطة لإنشاء مصنع بالغربية
تتضمن خطة المشروع الانتقال من مرحلة التنفيذ الحالية إلى الإنتاج الصناعي من خلال إنشاء مصنع لإنتاج خامات الأعلاف من المخلفات الزراعية في قرية حوين بمركز قطور بمحافظة الغربية.
وتستهدف الخطة الوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ نحو 3 آلاف طن شهريا، فيما تقدر التكلفة الاستثمارية المستهدفة لإنشاء المصنع وتجهيز خط الإنتاج وتوفير الخامات اللازمة حتى بدء التشغيل بنحو 75 مليون جنيه، وفقا للبيانات المقدمة من صاحب المشروع.
وتستغرق الخطة الزمنية المستهدفة نحو 12 شهرا، تبدأ بإجراءات التعاقد والتمويل، ثم إنشاء المصنع وتركيب خطوط الإنتاج، وصولا إلى التشغيل والإنتاج.
وتشمل التجهيزات إنشاء مبنى صناعي والبنية التحتية اللازمة، وخطوط الإنتاج والمعدات ووسائل المناولة والتخزين، إلى جانب تجهيزات الكهرباء والمياه والحماية المدنية وأنظمة المراقبة.
كما تتضمن الخطة توفير مساحة لتخزين الخامات الزراعية بالقرب من المصنع، بما يساعد على تأمين احتياجات التشغيل وضمان استمرارية الإنتاج.
منظومة تبدأ من المخلفات وتنتهي بالسوق
ولا يعتمد المشروع على المصنع وحده، وإنما يستهدف إقامة منظومة متكاملة تبدأ من توفير المخلفات وتنتهي بتسويق المنتج.
وتتضمن الخطة إقامة علاقات تعاقدية مع مصادر المخلفات الزراعية ومصانع التصنيع الزراعي والغذائي، إلى جانب التعاقد مع مصانع الأعلاف ومربي الثروة الحيوانية والداجنة.
كما يستهدف المشروع توفير فريق إداري ومالي وفني وعلمي، إلى جانب العمالة اللازمة لعمليات التشغيل والتخزين والنقل والمناولة والتسويق.
ويعتمد تسويق المنتجات على وسائل التواصل الاجتماعي، والمعارض والفعاليات المتخصصة، والتواصل المباشر مع المنتجين والمستفيدين، بما يسمح ببناء قاعدة سوقية تتوسع تدريجيا بالتزامن مع زيادة الطاقة الإنتاجية.
التوسع إلى محافظات جديدة
لا تتوقف خطة المشروع عند إنشاء المصنع الأول في محافظة الغربية، وإنما تستهدف التوسع في المحافظات التي تتوافر بها كميات كبيرة من المخلفات الزراعية ومخلفات التصنيع.
وتتضمن خطة التوسع إنشاء مصنعين سنويا بعد المرحلة الأولى، وصولا إلى إقامة وحدات إنتاجية في محافظات من بينها البحيرة والشرقية والإسماعيلية والدقهلية والقليوبية، وفقا لتوافر الخامات واحتياجات كل منطقة.
ويتيح هذا النموذج إنشاء مصانع بالقرب من مصادر المخلفات، بما يساعد على خفض تكاليف النقل، وخلق فرص عمل محلية، وتحقيق استفادة اقتصادية أكبر من المخلفات الزراعية.
الاقتصاد الدائري في قلب المشروع
يحمل الابتكار ثلاثة أبعاد رئيسية؛ زراعية واقتصادية وبيئية.
فعلى المستوى الزراعي والغذائي، يوفر المشروع خامات بديلة يمكن أن تدخل في صناعة الأعلاف، بما يدعم سلاسل إنتاج الثروة الحيوانية والداجنة.
وعلى المستوى الاقتصادي، يحول المخلفات من تكلفة للتخلص منها إلى مادة خام لها قيمة، ويفتح المجال أمام صناعة جديدة وفرص عمل واستثمارات مرتبطة بالقطاع الزراعي.
أما على المستوى البيئي، فيستهدف تقليل كميات المخلفات التي يتم التخلص منها بصورة غير آمنة، والحد من الممارسات التي قد تسبب تلوثا أو انبعاثات، بما يتوافق مع مفهوم الاقتصاد الدائري القائم على إعادة استخدام الموارد وتعظيم قيمتها.
ويجمع المشروع بذلك بين ملفات إدارة المخلفات، والأمن الغذائي، وتوطين الصناعة، ودعم الإنتاج الزراعي والحيواني، وتحقيق التنمية المستدامة.
من «المخلف» إلى «المنتج»
الفكرة الأساسية للمشروع تقوم على إعادة النظر في تعريف المخلفات نفسها؛ فما كان ينظر إليه باعتباره ناتجا يجب التخلص منه يمكن، من خلال المعالجة والتكنولوجيا، أن يتحول إلى خام يدخل في صناعة أخرى.
فمخلفات تقليم أشجار الحمضيات والزيتون، على سبيل المثال، يمكن بعد جمعها ومعالجتها وتجهيزها أن تدخل في سلسلة إنتاج خامات الأعلاف، بما يعظم العائد الاقتصادي من الموارد الزراعية.
وهذا النموذج لا يقتصر على نوع واحد من المخلفات، وإنما يفتح الباب أمام التوسع في استغلال أنواع أخرى من المخلفات الزراعية والتصنيعية والغذائية وفقا لخصائصها وإمكانية إدخالها في عمليات إنتاجية جديدة.
من الابتكار إلى الاستثمار
يمثل وصول المشروع إلى مرحلة التنفيذ أحد العناصر الرئيسية في تجربته، إذ ينتقل من مجرد فكرة ابتكارية إلى نموذج يستهدف الوصول إلى الإنتاج الصناعي والسوق.
وجاء المشروع ضمن المشروعات المتأهلة للمرحلة النهائية من مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026، التي شهدت مشاركة الباحثين والطلاب ورواد الأعمال وأصحاب الشركات الناشئة والمبتكرين.
ويعكس إدراج المشروع ضمن فئة الشركات الناشئة وحاضنات التكنولوجيا أهمية الربط بين البحث والابتكار من ناحية، وريادة الأعمال والاستثمار من ناحية أخرى.
فالتحدي لا يتمثل فقط في الوصول إلى فكرة جديدة، وإنما في تحويلها إلى منتج، ثم إلى مشروع، وصولا إلى صناعة قادرة على تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة.
«دولة الابتكار الزراعي»، الطريق من الفكرة إلى السوق
وتأتي تجربة المشروع ضمن الرؤية الأوسع لمبادرة «دولة الابتكار الزراعي»، التي تستهدف دعم الابتكار الزراعي وربط الباحثين والمبتكرين ورواد الأعمال والقطاع الإنتاجي والمستثمرين.
وتقوم فلسفة المبادرة على الانتقال بالابتكار من نطاق الفكرة أو البحث إلى منتج أو خدمة قابلة للتطبيق، وفتح المجال أمام المشروعات الواعدة للوصول إلى الجهات الداعمة والشركاء والمستثمرين.
وفي هذا السياق، يمثل مشروع إنتاج خامات الأعلاف من المخلفات الزراعية نموذجا لفكرة تبدأ من مشكلة حقيقية في القطاع الزراعي، ثم تقدم حلا قابلا للتطبيق، وتضع تصورا للإنتاج والتسويق والتوسع.
علي عبد العزيز: التحدي الحقيقي هو الوصول بالابتكار إلى الإنتاج
وأكد الدكتور علي عبد العزيز، رئيس المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي» ومسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة، أن القيمة الحقيقية لمثل هذه التجارب لا تتوقف عند الوصول إلى المراحل النهائية للمسابقة أو الفوز، وإنما تتمثل في قدرتها على الاستمرار والوصول إلى مرحلة التطبيق والإنتاج والسوق.
وأشار إلى أن مصر تمتلك عددا كبيرا من الباحثين والمبتكرين وأصحاب الأفكار القادرة على تقديم حلول لمشكلات الزراعة والغذاء والبيئة، إلا أن التحدي يتمثل في توفير مسارات تنقل هذه الأفكار من البحث والتجريب إلى الإنتاج والاستثمار.
وأوضح أن مشروع إنتاج خامات الأعلاف من المخلفات الزراعية يجسد هذا التوجه، لأنه يتعامل مع مشكلة واقعية ويقدم حلا قابلا للتطبيق، ويجمع بين الأبعاد الزراعية والاقتصادية والبيئية، مع إمكانية التوسع وتحقيق فرص عمل وقيمة مضافة من مورد محلي.

وشدد على أهمية التركيز خلال المرحلة المقبلة على ما بعد المسابقة، من خلال ربط أصحاب الابتكارات الواعدة بالجهات العلمية والإنتاجية والتمويلية والاستثمارية، بما يساعد على تحويل النماذج الناجحة إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.
دعوة إلى بناء منظومة وطنية للابتكار الزراعي
وتطرح المبادرة أهمية الانتقال من المبادرات الفردية أو الموسمية إلى منظومة وطنية مؤسسية للابتكار الزراعي، تضمن استمرار اكتشاف ودعم الباحثين والمبتكرين ومتابعة المشروعات الواعدة بعد انتهاء المسابقات.
ويرى الدكتور علي عبد العزيز أن تبني المبادرة بصورة مؤسسية على مستوى مجلس الوزراء يمكن أن يسهم في توحيد الجهود بين الجهات الحكومية والبحثية والقطاع الخاص والمستثمرين، وربط الابتكار الزراعي بصورة مباشرة بملفات الأمن الغذائي، وتوطين الصناعة، وتعظيم القيمة المضافة، وإدارة المخلفات وخلق فرص العمل.
وبذلك لا تنتهي رحلة الابتكار عند إعلان نتائج المسابقة، وإنما تبدأ مرحلة جديدة تستهدف تحويل الأفكار الواعدة إلى مشروعات ومنتجات وصناعات.
ابتكار مصري يعيد تعريف قيمة المخلفات
يكشف المشروع عن إمكانية تحويل المخلفات الزراعية من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي، ومن ناتج ثانوي إلى خام يدخل في صناعة مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والإنتاج الحيواني والداجني.
ومع خطة إنشاء مصنع بطاقة 3 آلاف طن شهريا، واستثمارات مستهدفة تصل إلى 75 مليون جنيه، ثم التوسع في محافظات أخرى، يسعى المشروع إلى بناء نموذج إنتاجي يمكن تكراره بالقرب من مصادر المخلفات.
وهكذا تبدأ دورة جديدة للمنتج الزراعي لا تنتهي عند الحصاد أو التصنيع، وإنما تمتد إلى إعادة استخدام المخلفات وإدخالها في صناعة جديدة.
فالهدف النهائي لا يتمثل فقط في التخلص من المخلفات، وإنما في تعظيم قيمتها وتحويلها إلى خامات محلية، وخلق فرص عمل، ودعم الصناعة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يعزز توجه مصر نحو اقتصاد زراعي أكثر كفاءة واستدامة.
- من كارت الفلاح إلى الأقمار الصناعية، تفاصيل خريطة الرقمنة الزراعية في مصر
- مشروع STAR مقاربة متكاملة لدعم الإنتاج الزراعي والتحول الرقمي وتعزيز الأمن الغذائي
- «الزراعة» في أسبوع.. توطين صناعة المبيدات وضبط تقاوي ومبيدات مغشوشة وفحص 7 آلاف عينة
- «الزراعة» و«البحث العلمي» تستمعان للمزارعين لتوجيه الابتكار نحو حلول تخدم الحقل (صور)
- من مخلفات الموز لصناعة الأخشاب، اختراع مصري يحصد المركز الأول بمسابقة الابتكار الزراعي على مستوى الجمهورية ويفتح بابًا جديدًا للاستثمار






